هل نحن على أبواب تحول استراتيجي في المتوسط؟ بقلم د. نورالدين العلوي

هل نحن على أبواب تحول استراتيجي في المتوسط؟ بقلم د. نورالدين العلوي

هل نحن على أبواب تحول استراتيجي في المتوسط؟

نجد أن التوقعات التي تشير إلى تحولات ذات طبيعية استراتيجية في السياسيات الدولية لا تتحقق بالسرعة المرجوة لذلك تظهر في أولها كأنها تخمين أو تمنيات كتاب يتخذون من أمانيهم وقائع رغم ذلك نستشعر أن تحولا عميقا يجري الآن في البحر المتوسط سيغير موازين القوى فيه وتكون تونس في قلب اللعبة الديبلوماسية والأمنية الجارية. متى تظهر النتائج قد تفاجئنا بسرعتها وقد ننتظر فترة طويلة ولكن حركة السفراء في كواليس الحكم في تونس ليست زيارات مجاملة وتبادل تهاني برمضان إننا نرى الأمر أعقد من ذلك. شهر أبريل في تونس كان عاصفا وقد فاح بخار معارك ديبلوماسية كثيرة تؤشر على قلع أقدام فرنسا وإحلال قدم أمريكية وسكسونية من تونس لكن ماذا قد يكون الثمن الذي سيدفع التونسيون نظير هذا التحول؟

حركة السفراء في تونس.

لمع السفير الأمريكي أكثر من غيره في شهر إبريل خاصة فهو يتنقل بين مكتب رئيس البرلمان ورئيس الحكومة ويلقي تصريحات متحمسة للتجربة التونسية ويساند عملية الانتقال الدمقراطي الذي يتعرض لصعوبات مالية توشك ان تؤدي الى الإفلاس لكنه لم يظهر قريبا من قصر قرطاج. وتصدر أخبار كثيرة عن تواصل جهات برلمانية تونسية مع الإدارة الألمانية التي تعرب عن نفس الموقف ونعرف حماس السفير التركي وادارته لدعم الانتقال الديمقراطي.

بالتوازي يظهر السفير الفرنسي بجانب الرئيس دون أن ينبس بموقف ويعلن موقفا معتدلا بعد لقائه رئيس الحكومة. وتتوالى التسريبات غير الرسمية حول خلاف عميق بين الإدارة الفرنسية والأمريكية حول مستقبل تونس في لحظة مصيرية تستعد فيها تونس للخروج إلى مؤسسات الإقراض الدولية باحثة عن تمويلات لمواجهة نقص السيولة ومواجهة استحقاقات الحكم المعطلة. التقاطع بين الأخبار الرائجة يرسم لنا الصورة التالية. هناك طرفان مهمان يختصمان حول تونس كل يخطب ودها أو يريد أن يلحقها بمجاله الاقتصادي والسياسي.

سمعنا كلاما غير رسمي (قد يكون هو الترجمة العملية للوقوف مع تونس) تجر به فرنسا تونس إلى نادي باريس للحصول على تمويلات بفوائض عالية تضعها تحت هيمنة مباشرة لبنك باري با. بينما يعرض الأمريكيون سقف تمويل مفتوح لتونس نظير ابتعادها عن نادي باريس وينتظر أن يظهر رئيس الحكومة في واشنطن قريبا حتى أن مسارعته بالتلقيح ضد وباء كورونا فهمت في هذا الإطار.

ما رأي التونسيين في ما يجري؟

نوشك أن نقول أن ليس للشعب رأي في ما يجري وأن (اللعب) يتم بين الكبار حول تحديد مصير الطفل الصغير العاجز (تونس). المهتمون بالشأن العام يتابعون معركة الرئيس مع الحكومة والبرلمان وهي معركة داخل معركة الأحلاف الذين ذكرت أو هي ترجمة لها على الأرض. لقد بات واضحا أن الرئيس وحزامه السياسي غير المتجانس فكريا يقف مع الصف الفرنسي تبعا لتلك القبلات التي وضعها الرئيس على كتف الرئيس الفرنسي حين أنكر تاريخ الاحتلال الفرنسي لتونس وفسره وهو في باريس كحماية قانونية وطلب عدم الاعتذار عنه. بينما يقف رئيس الحكومة ورئيس البرلمان وحزامهما السياسي في الصف المقابل ويبدو أنهم يميلون إلى الموقف الأمريكي وحلفائه الأتراك والإنجليز والألمان ويحتمون به من الضغوطات الفرنسية المباشرة. (لم تصدر عنهم مواقف بينة ولكن إذا صحت زيارة رئيس الحكومة إلى واشطن فإن الموقف يتضح بجلاء لا لبس فيه).

لكن الموقف مما يجري في تونس ليس خاصا بتونس بل يشمل المنطقة برمتها وشمال أفريقيا في قلب الأحداث. وإذا كان الجزائريون أقوياء بثرواتهم الطبيعية وبموقفهم التاريخي الرافض (في العلن) لكل أشكال التبعية الاقتصادية والإلحاق السياسي فإن وضع تونس وليبيا ليس بنفس القوة فهما البلدان اللذان ارهقتهما الثورة ونزلت بقدراتهما إلى لحظة ضعف كاشفة. وهما يقعان الآن في قلب هذا الصراع السياسي بين فرنسا والولايات المتحدة الامريكية التي نراها مشغولة بمصير تونس وليبيا بقدر انشغالها بقطع الطريق على حلف صيني روسي يحاول التسلل إلى أفريقيا سوق المستقبل ومجاله الاستثماري الواعد.

وضعت فرنسا يدها في الحلف الروسي الصيني وتخلت عن شركائها الأوربيين الذين لا يرتاحون لوجود روسي خارج روسيا وبالتحديد الألمان ونميل إلى تفسير الحركة الأمريكية في تونس وفي ليبيا وربما في الجزائر (حيث لا تتسرب الأخبار) ضمن هذا السياق. بناء قاعدة أو أحلاف يتخذون كبوابة دخول إلى أفريقيا وكل خطوة في أفريقيا تصطدم ضرورة بجدار صد فرنسي تاريخي خاصة شمال خط الاستواء. (ذهب البعض إلى تفسير قتل الرئيس التشادي كرسالة أمريكية لفرنسا أن مجالها الحيوي قد اخترق وأن عليها التفاوض على أرواح حلفائها التاريخيين. فيكون ظهور الرئيس الفرنسي في موكب تأبينه وتوريث السلطة لابنه كرد على محاولة الاختراق وعزم فرنسا عدم الاستسلام وهو ما يثير مخاوف في تونس ففرنسا أشد تمسكا بتونس جارتها من تمسكها بالتشاد الذي يرقد على مدخر يورانيوم تحتاجه المفاعلات الفرنسية. (ربما نفهم ذلك المشروع المتعلق ببحر ليبي داخلي يفتح من سرت حتى العمق الليبي لتسهيل النقل البحري من التشاد التي ليس لها حدود بحرية على المتوسط).

لا يبدو أن التونسيين واعون بما يجري حولهم أو لعل وعيهم لا يترجم بموقف علني في المعركة الدائرة حول مصيرهم. لكن المعركة واقع نستشعر وقد نخضع له دون قدرة على الرد أو تحسين شروط الخضوع. فالأمر في جوهره استبدال احتلال بآخر قد نتوهم أنه أقل سوءا مما سبق.

تدويل صراع الرئيس والحكومة.

من هذا المنظور نقول أن الصراع السياسي المحلي بين رئيس تونس وحكومته وبرلمانه قد صار صراعا دوليا وأن التفاصيل المتعلقة بتعطيل المحكمة الدستورية وأداء الوزراء اليمين ليس إلا الجزء الظاهر من كثيب الرمل المتحرك (الجليد ليس تونسيا). يشتغل الرئيس لصالح جهة أجنبية/ فرنسية تود الإبقاء على تونس ضمن نطاق نفوذها التاريخي وهذا يفسر لنا انحياز حزب فرنسا بمكوناته الاستئصالية إلى جانب الرئيس بعد أن أعلن مشاركته في معركتهم وهي معركة فرنسية لا تونسية. ويكون تصلب موقف البرلمان ورئيس الحكومة هو الرد ضمن نفس المنظور الدولي على الموقف المنحاز لفرنسا بما يحول تونس إلى ساحة صراع فرنسي أمريكي لكل فيه أحلاف خارجية وأياد داخلية.

إن الإقراض بفارق في نسبة الفائدة لا يجعل الإقراض هبة تحرير من الاحتلال فكلها مغريات تغيير ولاء بأمل تحرر لكن أنى للتحرر أن يكون إذا كان وعي الناس ينساق بسهولة وراء الأحلاف الهشة لا تدرك عمق اللعبة الدولية؟ أين من تونس مشهد الشباب الأمريكي يسير بشعار (الشعب يريد إسقاط وول ستريت). مقلدا الشباب التونسي في لحظته الثورية لقد كان حلما مضى ونحن الآن في واقع مختلف نتسول فيه قرضا بفائدة مخففة ويمكن أن نقدم مستقبل البلد رهينة لمحتل جديد. هذا لا يعني أن المحتل الأول كان رحيما بنا ولكن لا ضمانة أن يكون المحتل الجديد أرحم بنا من أنفسنا.

إن الحرية خيال جميل يستوطن عقول نخبة متحررة روحا وفكرا وقد مرت اللحظة الثورية ولم تصنع النخبة هذا الخيال الجميل وسنكتب عن التحولات الاستراتيجية وننتظر نتائجها علينا لا لنا فالحرية لم تسوطن النفوس. فليتحول المتوسط إلى بحيرة أمريكية متى شاء فنحن فيه دوما محطة عبور للقوى الكبرى ونعيش على قروض بنسب فائدة تحددها قوى خارجية