البروفيسور أبو يعرب المرزوقي يكتب : فضل الغباء إفشال مؤامرات الأعداء

البروفيسور أبو يعرب المرزوقي يكتب : فضل الغباء إفشال مؤامرات الأعداء

البروفيسور أبو يعرب المرزوقي

 فضل الغباء إفشال مؤامرات الأعداء

الآن أستطيع دون خوف أن أبدي رأيي في استراتيجية أعداء تونس والثورة والأمة. فقد أضاعوا كل فرص النجاح وفاتهم الفوت بعد أن افتضح أمرهم عند العامة والخاصة.

كنت أخشى أن ينتبه قيس وشلته أنه كان يمكن أن يصبح لهم أكبر حزب في البلاد بمجرد أن يلعبوا لعبة الموافقة على تغيير نظام الانتخابات ليصبح قيس سيد قرطاج وباردو والقصبة: مطلبهم الحالي الذي بات مستحيلا.

أعتقد أن ما حصل كان من مكر الله الخير. فما أصاب قيس وشلته من عمى البصيرة وتسرعهم في المرور إلى العلاج العنيف بالتعطيل النسقي لمؤسسات الدولة والحرب على ما يعتبرونه تهمة "الإسلام السياسي" أفقدهم كل قدرة على التدبير الذكي.

فلكأنه يمكن تصور الإسلام من دون سياسة بل وكل دين. كل الاديان سواء كانت منزلة أو طبيعية هي رؤية وجودية وظيفتها تحقيق قيم ليس في حياة الفرد وحده بل في حياة الجماعة

فكل عقيدة دينية كانت أو فلسفية غايتها تأسيس العقد الاجتماعي والتضامن في السراء والضراء شرطي السلام المدنية بإضفاء الشرعية على القوانين المنظمة أو السنن الحاكمة في التواصل والتعاون بينهم.

تصور مثلا لو أنه -ومن كان وراءه - قد فكروا في خطة من هذا الجنس بالمكر السياسي الذكي. لو فعلوا لكان ذلك كله قد تم في أقل من ربع سنته الأولى

لكان حقق مشروعه قبل أن يشرع في فقدان مصداقيته المزعومة لأن التحذير منه كان يعتبر ظنونا قبل أن يقدم هو الدليل على صحة كل ما عرضته على الرأي العام من شروره وشرور من وظفوه.

لم يكن بوسعي قول ذلك قبل الآن لأني لو فعلت لكنت قد وجهته إلى ما كان سيحقق مشروعه الذي سميته مشروع لبنة تونس التي هي الهدف المشترك بين فرنسا وإيران،

ولخدمت خاصة مشروع إسرائيل التي تستفيد من ذلك بجعل بقية العرب يصبحون بإطلاق محمياتها خوفا من إيران وبعضه قد حصل وتلك هي علة موجة التطبيع العلني. لو فعلت قبل الآن لكنت في خدمة مشروعهم.

أما الآن فلم يبق بوسعه أن يفعل شيئا لتحقيق مشروعه إذ حتى الحرب الاهلية التي ينوي ايصال البلاد إليها بالتعفين والتجويع فهي ستذجر الثورة على الاعداء فتجمع بين التحرر والتحرير.

ومن ثم فكل العوامل الموضوعية تمنتها لأنه لو حاول بالعنف سيتم القضاء على جماعتة في يوم لأنهم صبعين والحق الطين ولو حاول بالديموقراطية لما حصل إلا على صفر فاصل لعلّتين لم يعد أحد يشكك فيهما:

1- لأن الحُزَيْبين اللذين أغرياه بأن الامر محسوم لصالحه ووعداه بتوظيف الاتحاد قد أنهيا كل إمكانية لنجاحه بعد ما أثبت بسلوكه وأقواله أنه فقد كل مصداقية وخاصة جدية إذ هو قد صار اضحوكة عالمية.

2-ولأن النزعة الانقلابية التي حاولها مع الجيش أولا ومع الداخلية ثانية باءت بالفشل ولأن البديل الذي تمثل في تبخيس الحياة البرلمانية (الزغراطة) صار عبئا عليه.

وأما تعطيل الحكومة فقد وضع وطنيته على المحك وخاصة بسبب كورونا والازمة الاقتصادية التي لا يكاد عاقل في تونس وفي العالم يشك في أنه هو العلة الرئيسية على الاقل في عدم استقرار الحكومات المتعددة منعها أو عينها. كل ذلك كان وبالا عليه وعلى الحُزَيْبين.

فتونس السطحية والعميقة كلتاهما بدأتا تغسلان أيديهما منه ومن مشروعه بعد أن رؤوا ثمراته البائسة وهي كلها لم تكن تحذيراتي منها كافية حتى بعد أن دعهما الكثير من نخب تونس الذين ندموا عن التصويت له

لو لم يثبتها هو لكان ذلك غير كاف لهز منزلته في اعين الشعب التونسي. لذلك فلكأن سلوكه القولي والفعلي كان مثل الادلة التجربية على فرضياتي

التي تدعمت بفضل شكوك الكثير من النخب الواعية في نواياه التي أيدها سلوكه حول ما يمكن أن يكون لمشروعه من نكبات على تونس والثورة. واليوم أقول هذا للقوى السياسية التونسية كلها

ولا استثني إلا البرميل والبسكلات رغم أني واثق من أني في غنى عن استثنائهما لأنهما حسب توقعي لن يبقي لهما وجود بمجرد وضع العتبة 5 في المائة ومعيار الشرف والمصداقية في حق الترشح.

لم أعد اخاف من تقديم هذه النصيحة لبقية الأحزاب التي تعارض النهضة والتي ستقتنع بعد هذه المحنة أن النهضة رغم الاخطاء الاستراتيجية الكثيرة التي وقعت فيها قياداتها تبقى مقوما لا بديل عنه في بناء تونس الديموقراطية.,

فإذا كنتم تريدون تحقيق التوازن في الحياة السياسة في تونس -وهو أمر صحي تستفيد منه النهضة بخلاف ما يتوهم أعداؤها -فعليكم تكوين حزب كبير -وهو مشروع السبسي. ولو كان أصغير قليلا لعدله ولنجح.

فهذا المشروع كان يمكن أن ينجح لو لم يفشله الخليط الذي حصل فيه من بقايا اليسار والقوميين والتجمعيين الذين كانوا مزروبين وأرادوا افتكاك المبادرة منه فكان التفتيت الذي نراه حاليا.

لكن الأزمة اليوم لا يقودها فتات حزبه وحده بل فتات حزب المرزوقي وفتات حزب ابن جعفر وفتات حزب الشابي وفتات اليسار وغالبهم كانوا -والله أعلم-من فتات التجمع بالقوة وتبين أنهم كذلك بالفعل حاليا.

لكن الفرز الحاصل خلال محاولات الدمية استعمل نفس الفتات فأنهى هذا الكوكتال مولوتوف ولم يبق في الحقيقة إلا استئناف مشروع سياسي وطني يؤمن بالحاجة إلى توازن بين قوتين يمكن أن يتعاونا بمعنيين:

1-الأول تقاسم بعدي أي حكم ديموقراطي أي الحكم والمعارضة الوازنين بحيث يتزامن اعتبار ضرورات الحكم الواقعية وبدائل المعارضة المثالية وهو تقابل يتبع المقابلة بين عسر الأفعال ويسر الأقوال في كل اللعبة السياسية

2-التداول بهذا المنطق من خلال تقديم برامج تخدم الوطن دون استثناء متبادل بحيث يتم التداول بين الواقعية في الحكم والمثالية في المعارضة من خلال التداول السلمي على الحكم والمعارضة.

ولا يمكن تصور ذلك ممكنا من دون نخب سياسية تعلم شروط هذه العملية السياسية والخلقية وأهمها شرط الشروط فيها وهو فهم طبيعة المسافة بين الواقعي والمثالي وشرط مساهمتها في البناء

فهو شرط العلاقة السوية بين الحكم والمعارضة مع وضع سقف قيمي لا تتجاوزه يتألف من:

1-رعاية المصلحة الوطنية المشتركة بينهما

2-حماية السيادة الوطنية واستقلالية القرار السيادي.

وهذا يعني ألا يتهم أي منهما الثاني بالخيانة ويقبل اجتهاداته بمنطق عدم التأثيم الخلدوني:

1- لأن من يريد حصر السياسة في المعنى التقليدي للدولة الوطنية المقصورة على القطرية -وهو موقف من يعادي النهضة-

2-ومن يريد المعنى الحديث للدولة الوطنية المتجاوزة للقطرية وهو موقف النهضة-

كلاهما لا يعادي هذين المبدأين أي الرعاية والحماية وينبغي أن يفهم المقوف الإسلامي من الجمع بين المستويين كما تفهم العلاقة بينهما في أوروبا الحالية.

فالنهضاوي المؤمن بما يتجاوز حدود تونس ينبغي فهمه بهذا المعنى كما أن يريد البقاء في حدود القطرية ليس بالضرورة عدوا للمعنى الحديث للتجمعات شرطا في الرعاية والحماية السيادتين.

فلا يمكن أن نعتبر الألماني أو الفرنسي الذي يؤمن بالوحدة الأوروبية أنه معاد لوطنيته القطرية بل هو يبحث عن شروط جعلها قادرة على تحقيق شروط الاستقلال عن العاملة التي تفرض شروطها عليهم في الحماية والرعاية.

أقول هذا الكلام لأني أومن الآن أن قيس وشلته خسرت المعركة فهي لن تستطيع خوضها بأي من الأدوات الثلاث التي فكرت فيها:

1-الانقلاب العسكري الذي تغني به لن يحصل لأن جيشنا وامننا كلاهما أثبتا رفض هذا الخيار وبصورة نهائية منذ بداية الثورة وإلى الآن

2-لأن الحزيبين لم يعد لهما سلطان على الشارع وعلى الاتحادين، اتحاد العمال واتجاد الاعراف ومن ثم فسياستهما بلغت درجة الصفر. بعد أن تبين أن ظاهرة الدمية علتها ظاهرتان سلبيتان لم يعد لهما أدنى دور:

*-الموقف الشعبي من فشل السياسيين من كل الحساسيات

*-واهتراء السيستام في ما بعد الثورة التي فشل في أيقافها

فكل ذلك سلوب. ولذلك فهي لم تجعل منه قادرا على تقديم حلول من جنس التي وصفت في بداية هذه المحاولة وكلما مر يوم ازداد العجز لأنه بغباء لا نظير له تصور أن خطاباته السخيفة وسلوك دونكيشوت يمكن أن يغير من الامر شيئا.

تلك هي العلة التي جعلتني امدح الغباء: فلو لم يكن سعيد غبيا ولينين دعيا والحزيبين يقودهما الحمقى والحمقاوات لكان بوسعهم تحقيق المشروع الخطير على تونس في نصف السنة الاولى بعد الانتخابات الأخيرة ولحققوا ديموقراطيا وسلميا كل ما يريدون:

لكن الغباء أثبت أن العجلة ليس فيها إلا الندامة لأنها ثمرة "البهامة". ولذلك فإني لم أعد أرى داعيا لمواصلة الكلام في سلوك هؤلاء الحمقى وقد عدت إلى بحوثي الفلسفية والدينية

التي ستلقم حجرا لأنصاف المثقفين في بلاد العرب وخاصة المتعلّط منهم على الميدانين ممن تسكرهم زبيبة الشعارات والبهارات من أمثال من يعتبر منجاة تونس بيد الزغراطة أو العياطة أو عملاء وعميلات العكري