وزير التعليم العالي سليم شورى في حوار خاص : أربعة محاور تقوم عليها استراتيجية الاصلاح

وزير التعليم العالي  سليم شورى في حوار خاص : أربعة محاور تقوم عليها استراتيجية الاصلاح

 

أجرى  وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم شورى حوارا  مجيبا عن عديد التساؤلات منها المبادرة التشريعية لتحسين وضعية الدكاترة والحلول المقدمة من الوزارة لادماجهم في سوق الشغل.
"وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم شورى في حوار خاص لـ «الصحافة اليوم»:
أربعة محاور تقوم عليها استراتيجية الاصلاح أهمها ربط التكوين بحاجيات التشغيل

حاورته: صبرة الطرابلسي
ماهو تقييمكم للسنة الجامعية الحالية على ضوء ما شهدته من اضطراب بسبب قرار الحجر الصحي الشامل؟ وما هي الآليات التي اعتمدتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لاستكمال السنة الجامعية والبرامج الدراسية؟


الواقع أن استئناف الدروس بمؤسسات التعليم العالي قد تم بصفة تدريجية وقد تمت المصادقة على بروتوكول صحي وضعته وزارة الصحة يعتمد على تعقيم المؤسسات الجامعية والمبيتات الجامعية وتوفير المواد المطهرة لليدين والكمامات وكل سبل الحماية الصحية للطلبة والأساتذة وقد تم تأمين هذه العودة الجامعية بالتعاون مع مختلف الفاعلين من سلط جهوية ووزارات ذات العلاقة على غرار وزارة النقل والداخلية والصحة وغيرها وقد تم القيام بأكثر من 19 ألف تحليل مخبري للطلبة والأسرة الجامعية ينتمون لثماني مناطق صنفت موبوءة وقد كانت كل النتائج سلبية.


وقد كان استئناف الدروس في مرحلة أولى يوم 11 ماي 2020 مقتصرا على طلبة السنة الخامسة بكلية الطب لتكون العودة لكليات الصيدلة وطب الأسنان يوم 1 جوان ثم يوم 8 جوان تم استكمال استئناف الدروس بمختلف الجامعات ومؤسسات التعليم العالي مع توفير الإيواء بالمبيتات الجامعية بالنسبة إلى الطلبة غير المنتفعين وقد تم توفير اعتمادات مالية إضافية لاقتناء معدات الوقاية وتوفيرها بالمبيتات الجامعية و بالجامعات و اعتبارا إلى تواصل الدروس لاستكمال البرنامج الدراسي والإمتحانات الجامعية كامل شهر جويلية بصفة استثنائية وارتفاع درجات الحرارة خاصة بالجنوب فقد وفرت وزارة التعليم العالي فضاءات مكيفة بالمبيتات وكذلك بقاعات التدريس الموجودة في الجنوب التونسي.
وستجرى امتحانات نهاية السنة الجامعية بدورتيها خلال شهر جويلية الجاري وإذا واجهت بعض الجامعات صعوبات على مستوى تنظيم الإمتحانات فسيتم تأجيل الدورة الثانية من الامتحانات للأسبوع الأول من شهر سبتمبر القادم وسيكون شهر أوت شهر عطلة.


لم تكن تجربة التعليم عن بعد في مؤسسات التعليم العالي العمومية ناجحة بصفة كلية خلال فترة الحجر الصحي الشامل , ما هي الأسباب وهل للوزارة برنامج لتطوير منظومة التعليم عن بعد ؟


صحيح أن تجربة التواصل البيداغوجي عن بعد مع الطلبة لم تكن ناجحة بصفة كلية باعتبار وجود تفاوت بين الجامعات على مستوى نجاح اعتماد هذه الطريقة لكن يمكن القول أن التعليم عن بعد قد نجح بنسبة تتراوح بين 70و80 بالمائة و بالتالي هي تجربة نسبيا ناجحة مقارنة ببلدان أخرى وقد تمكنت عديد المؤسسات الجامعية من استكمال برنامجها الدراسي إذ توجد مؤشرات تؤكد نجاح هذه التجربة ذلك أن عدد المسجلين في المنصة الرقمية كان في حدود 40 ألف طالب و خلال فترة الحجر الصحي ارتفع إلى 120 ألف طالب إلى جانب انخراط 13 ألف أستاذ وقد تم تأمين حوالي 30 ألف درس .
كما تم تمكين 80 ألف طالب من المنتمين للفئات الفقيرة من خدمات الأنترنات بسعة 10جيغا والواقع أنه تم تسجيل نقائص على مستوى تجربة التعليم عن بعد اعتبارا إلى عدم تكافؤ الفرص بين كل الطلبة من حيث امتلاك الهواتف الذكية أو الحواسيب وكذلك عدم تمتع عدة مناطق نائية بالتغطية بشبكة الأنترنات وسيكون تطوير منظومة التعليم عن بعد ضمن المشاريع الكبرى للحكومة التي ستعمل على تطويره بالتعاون مع وزارتي التربية والتكوين المهني والتشغيل .


يخوض المتحصلون على شهائد الدكتوراه وطلبة الدكتوراه منذ فترة تحركات احتجاجية آخرها الوقفة الاحتجاجية أمام وزارتكم وإعلانهم الدخول في اعتصام إلى حين تلبية مطالبهم المتمثلة في الإدماج في المؤسسات العمومية وكنتم قد وقعتم اتفاقية شراكة مع منظمة الأعراف من أجل إدماج ألف دكتور في الجامعات الخاصة، فما هي خطتكم لإدماج بقية الدكاترة ؟


الحقيقة أن الوضع الاقتصادي الصعب والصعوبات التي تشكو منها المالية العمومية تحولان دون إدماج عدد كبير من المتحصلين على شهائد الدكتوراه في الجامعة العمومية و لن يتم انتداب سوى 200 أستاذ دكتور خلال الدورة الحالية فالدولة ليست لها عصا سحرية لتغيير الوضع بين عشية وضحاها وانتداب مجمل الدكاترة البالغ عددهم 1700 متحصل على الدكتوراه و هو العدد الرسمي الموجود على منصة وزارة التعليم العالي وهنا أدعو الدكاترة غير المسجلين في المنصة الرسمية للوزارة للتسجيل حتى يتسنى لنا الحصول على العدد الصحيح و النهائي لهذه النخبة باعتبار أن هناك ترويجا لأرقام أكبر من الرقم الرسمي وهذا إحصاء غير رسمي بالنسبة إلينا.
و اعتبارا إلى صعوبة إدماج الدكاترة في الظرف الحالي في القطاع العمومي ,عملت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على إيجاد آليات إدماج أخرى فقد تم ابرام اتفاقية يوم الثلاثاء الماضي مع الإتحاد التونسي للصناعة و التجارة و الصناعات التقليدية من أجل إنتداب 1000 استاذ دكتور للتدريس بالجامعات الخاصة المطالبة بأن يكون لها إطار تدريس قار وسيتم تأهيل هؤلاء الأساتذة حسب الحاجيات والاختصاصات المطلوبة بالمؤسسات الجامعية الخاصة علما أنه ولأول مرة يتم انتداب هذا العدد من الدكاترة دفعة واحدة و قد عملت منذ أربعة أشهر على هذا الملف حتى قبل أن أتولى مهامي على رأس الوزارة.
لكن هناك 13500 طالب في مرحلة الدكتوراه و هو عدد كبير يجب التفكير في إيجاد آليات لإدماجهم و تثمين دورهم سواء في القطاع العام أو الخاص من خلال الاتفاق مع منظمة الأعراف ذلك أنه يجب أن يقع دخول مرحلة جديدة تعتمد تشغيل هذه النخبة من الدكاترة في كلا القطاعين مع ضمان حقوقهم المادية و بالنسبة إلى أجر الأستاذ الدكتور في الجامعات الخاصة هو تقريبا متساو مع الأجور في القطاع العمومي وستكون هناك مبادرة تشريعية لضمان حقوق الدكاترة بمنحهم امتيازات تقوم على جعلهم ضمن أولويات التشغيل في القطاع العمومي و الخاص على حد سواء إضافة إلى تطوير الاستراتيجيات التي تقوم على البحث و التطوير بالشراكة مع عديد الوزارات القطاعية على غرار الصناعة و النقل و البيئة و تكنولوجيا الاتصال والانتقال الرقمي وغيرها والتي يبلغ عددها نحو 20 وزارة حيث سيقع العمل من خلال هذه المبادرة التشريعية على ضمان حقوق تأجير ترتقي إلى مستوى التكوين والبحث للدكاترة و هذا ما نشتغل عليه حاليا بالتعاون مع وزارة الوظيفة العمومية والبرلمان فالبلاد اليوم في حاجة للذهاب في استراتيجية لتثمين الباحثين و الدكاترة لا فقط بإدماجهم في التدريس بالجامعات العمومية و الخاصة و لكن أيضا بإدماجهم بالمؤسسات الصناعية و الاقتصادية على غرار ما تعتمده البلدان المتقدمة فاليابان مثلا تقوم بإدماج 95 بالمائة من الدكاترة في المؤسسات الاقتصادية و كذلك الولايات المتحدة الأمريكية وبهذا التمشي الجديد يمكن أن يتم خلق قيمة مضافة للمؤسسات وللاقتصاد بصفة عامة و هنا يكمن دور هذه الكفاءات الهامة من الدكاترة الذين سيصنعون هذه القيمة المضافة و هذا هو الخيار الاستراتيجي الجديد الأمثل والضروري الذي يجب اعتماده مستقبلا في تونس وهذا ما ستعمل عليه وزارة التعليم العالي مع بقية الشركاء من أجل تثمين هذه الكفاءات العليا التي كان بالإمكان اللجوء إلى الحلول السهلة لتشغيلهم عبر إبرام عقود عمل في الخارج و لكن الدول التونسية في حاجة لأدمغتها و لكفاءاتها .


كيف سيقع العمل على تفعيل هذه الاستراتيجية من أجل تثمين وإدماج الكفاءات العليا التونسية في سوق الشغل بالشراكة مع المؤسسات الاقتصادية و عدم الاقتصار على الجامعات العمومية و الخاصة؟


الواقع أن هناك إشكالات متعلقة بالمنوال التنموي في تونس الذي لم يتمكن من تحقيق نجاحات إذ لم يتم التوصل إلى حد الآن إلى إيجاد النموذج الاقتصادي الذي يمكن أن يتعايش مع الأزمات و الظروف الاقتصادية التي تعيشها تونس و المرحلة القادمة تستوجب أن تتم المراهنة على اقتصاد المعرفة لذلك سوف تكون لدينا استراتيجية وضعتها وزارة التعليم العالي على مستوى رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية والبرلمان على أساس تطوير استراتيجية الدولة في علاقة بالعلوم والتكنولوجيا والتجديد والتي سيتم اعتمادها كمنوال تنموي يقوم على اقتصاد المعرفة إذ سيجري حاليا الاشتغال على هذه الإستراتيجية و تطويرها مع مكتب الدراسات الإستراتيجية برئاسة الجمهورية ضمن جلسات ثنائية تعنى بالبحث والتجديد وبالشراكة مع الوزارات القطاعية على غرار وزارة الصناعة و وزارة البيئة ووزارة تكنولوجيا الاتصال و غيرها وستكون التوجهات المستقبلية للدولة قائمة على الترفيع من الاعتمادات المالية المخصصة للبحث العلمي التي لا تتجاوز حاليا 0.67 بالمائة من الناتج الداخلي الخام وهي نسبة ضعيفة جدا و هذا التوجه لا يجب أن يقتصر على وزارة التعليم العالي فقط بل يجب أن تقوم مختلف الوزارات بتخصيص حصة للبحث العلمي والتجديد ضمن ميزانياتها الى جانب ضرورة مساهمة القطاع الخاص في هذا التوجه من أجل النهوض .


ماهو برنامج الوزارة لإصلاح منظومة التعليم العالي خاصة أن التصنيفات الدولية للجامعات التونسية قد تراجعت ؟


هناك أربعة محاور تقوم عليها استراتيجية إصلاح منظومة التعليم العالي التي انتظمت في شأنها عديد الندوات والملتقيات والمشاورات التي انتظمت خلال سنتي 2017 و 2018 من أجل النظر في سبل إصلاح هذه المنظومة من خلال ربط التكوين الأكاديمي بحاجيات سوق الشغل وكذلك إعداد تصور للجامعات التونسية في أفق 2030و2050 وتتمثل هذه المحاور الأربعة التي سيقع الاشتغال عليها خلال عملية الإصلاح في ربط التكوين الأكاديمي بحاجيات التشغيل و البحث و التجديد والحوكمة والحياة في الجامعة و هنا نتحدث عن ربط التكوين الذي يعتمد على مراجع المهن و الكفاءات و هو ما سيقع العمل على تطويره مع الشركاء من الصناعيين و أصحاب المؤسسات الاقتصادية وبالتالي سيقع العمل على توجيه التكوين الأكاديمي نحو حاجيات سوق الشغل وهذا يستوجب اعتماد البرامج البيداغوجية على مراجع المهن والكفاءات مع ضرورة تنويع أشكال التكوين سواء بصفة حضورية أو عن بعد أو بالتداول أي أن يتلقى الطالب جزءا من تكوينه في المؤسسات الاقتصادية .


وأشير هنا إلى أن بعض الجامعات التونسية قد دخلت ضمن تصنيفات شنغاي وهو تصنيف مهم لكن بالإمكان تحقيق نتائج أفضل على مستوى الحصول على تصنيفات دولية لتقييم مستوى التعليم العالي التونسي على الصعيد الدولي وسيقع العمل على تطوير و إصلاح نظام أمد الذي سنحافظ عليه في علاقة بالتنمية والتشغيلية وستقع مراجعة البرامج الاكاديمية والبيداغوجية في علاقة بحركية الطلبة و كذلك العمل على اعتماد التعليم بالتداول وسيتم كذلك في إطار التمشي الإصلاحي لمنظومة التعليم العالي إحداث الهيئة الوطنية للتقييم و ضمان الجودة والاعتماد و هي هيئة مستقلة ستقوم بمنح الاعتماد العلمي والأكاديمي لكل مؤسسة جامعية تستحق ذلك اعتمادا على معايير الجودة وفي علاقة بالتشغيلية بعيدا عن أي ضغوط وسيمكن هذا الاعتماد من الاعتراف بالشهائد الجامعية التونسية دوليا اعتبارا إلى وجود إشكال يتمثل في عدم الاعتراف بها في عديد الدول ومنها دول خليجية.


وأنا أعتبر أن تطوير استراتيجية مبنية على التكنولوجيا والعلوم والتجديد تنخرط فيها الرئاسات الثلاث وتكون كل القطاعات معنية بالبحث والتجديد مع انخراط القطاعين العام والخاص في هذه الإستراتيجية سيساهم في تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد التونسي وطنيا وجهويا وإقليميا ذلك أن الجامعة هي قاطرة التنمية في الجهات وستكون لنا فرصة تاريخية للتفتح على الإقليم باعتبار أن تونس تعتبر وجهة للدول الإفريقية للدراسة وسنحاول خلال الاشهر الثلاثة القادمة استقطاب عدد هام من الطلبة الأفارقة والعرب من أجل تطوير نسبة الطلبة الأجانب في تونس التي لا تتجاوز 1.5 بالمائة ونحن نتطلع إلى ترفيعها إلى 10 بالمائة من خلال إبرام اتفاقيات مع دول إفريقية وعربية وحتى أجنبية وقد تم منذ سنة 2016 إحداث برنامج استقطاب الطلبة الأجانب بمقابل وهذا من شأنه أن يحدث نقلة نوعية للمؤسسات الجامعية العمومية من خلال توفير موارد مالية ذاتية تخول لها صيانة معداتها وتطوير بنيتها التحتية وستكون هناك آليات قانونية من أجل الانتقال بالجامعات من الصبغة الإدارية إلى الصبغة التكنولوجية .