نور الدين الغيلوفي يكتب: هذا الرئيس ماذا يصنع ؟

نور الدين الغيلوفي يكتب: هذا الرئيس ماذا يصنع ؟

كتب نور الدين الغيلوفي:

مخطّط إنهاك السياسة
الرئيس ليس له ما يعمل.. ولا يملك خطّة عمل ولا حتّى تصوّرا لتنفيذ مشروعه الهلامي.. لا يملك خطة رئيسة ولا خطّة بديلة…
قصّة وصوله إلى كرسيّ الرئاسة تحتاج إلى كثير من القول في انتظار أن تنكشف خيوطها.. ولكنّه، منذ أن وصل، بدأت أحلامه تتبخّر.. وتتبخّر معها أحلام الذين آمنوا به…

كانت له أقوال أنفقها على شباب محبَط ساخط على طبقة سياسية انشغلت بمعاركها الفارغة عن همومه الحارقة فتمسّك بالقشّة الأولى التي رآها تطفو على سطح الماء السياسي فتوهّمها خشبة أرسلتها الأقدار له للخلاص.. هذا في دورة الانتخابات الأولى.. إسناده في الدورة الثانية يستحقّ منّا نصّا آخر…

وصل الرئيس إلى الكرسيّ.. فلم يجد ما يعمله.. انشغل بصرف بقيّة رصيده من الأقوال يساعده عليه صانعه وتُرْجُمانُه رضا لينين، ولهذا الرصيد وجهان:
 
• الوجه الأول: تهيمن عليه سين الاستقبال لأعمال سيعملها الرئيس سيبدّل بها وجه الأرض، فإذا ضاقت الأرض بأعماله التفت إلى السماء ليسعفها بما فاض من إنجازات.. ولأنّ الوعود لا تعمّر طويلا كان لا بدّ من الوجه الثاني…

• الوجه الثاني: افتعال عقبة كبرى تقطع على الرئيس الطريق لكي لا يظهر بمظهر العاجز الذي ليس له ما يعمله، بل في مظهر الضحية الذي يحول دونه المنافقون المتآمرون سكّان الغرف المظلمة (أهل الشرّ بعبارة رئيس الانقلاب المصري السفّاح عبد الفتّاح السيسي)…
 
هكذا لا تكون المشكلة هي عجز الرئيس الذاتي ولا ضيق أفقه ولا ضبابية رؤيته ولا فقر خياله ولا اضطراب مسيره ولا فساد حاشيته… بل المشكلة هي تلك الجهة الخارجيّة التي تركت كلّ شيء لتقف في طريقه لتمنعه من فعل عبقريته…

من تكون تلك الجهة؟
كانت في البداية كائنات هلامية من سلالة المشروع المنتظَر تخفيها الضمائر التي يستعملها الرئيس في خطابه… ضمائر غيبة يحاربها الرئيس يطلق عليها، في كلّ مناسبة، رصاص الكلام.. فالقتل كلام والقتيل كلام.. والقاتل لا يملك غير الكلام…

غير أنّ مظاهرة النهضة يوم 27 فيفري 2021 بتونس العاصمة كانت مناسبة لإظهار الضمائر.. صارت الضمائر التي أمضى الرئيس سنة ونصف السنة في محاربتها، صارت مُظْهَرة.. ولكنّه لا يملك أن يذكر الأسماء التي تحيل عليها.. لأنّه يزدريها، كما صرّح، ولأنّه يخافها ولأنّه يكرهها…
 
الأسماء التي ترجع إليها ضمائر الرئيس لا تزال مكتومة ولكنّ الشعب التونسيّ بأكمله فهم أنّ الرئيس يشنّ حربا، من جانب واحد، على حركة النهضة لأنّها صاحبة الكتلة الأكبر في برلمان الشعب ولأنّ رئيسها هو رئيس البرلمان…

ظاهر الأمر أنّ مشروع الرئيس يتناقض مع البرلمان، لذلك فهو مصرّ على مقاطعة البرلمان الذي أدّى من داخله اليمين وأقسم على ما أقسم عليه.. البرلمانيون كانوا شهودا على قسم الرئيس عند تنصيبه، ولا أظنّه يريد إعدام الشهود.. إنّ بين الرئيس وبين الشعب عهدًا ترجمه في القسَم وكان نواب الشعب عليه شهودا…
 
إذا كنت عاجزا عن فعل نافعٍ اِبتدعْ لك عدوّا كبيرا الفت إليه الأنظار ليكون هو المسؤول عن منعك من الأفعال ولتربح أنت الوقت وتبقى في وضعية وقف (en pause)… وفي الأثناء سيتهافت عليك الأنصار من كلّ حدب السياسة وصوب الإيديولوجيا.. وسيحيط بك أعداء ذلك العدوّ، عملا بمقولة عدوّ عدوّي صديقي”…

وسيجتمع حولك أصدقاء كثيرون.. بل سيتحوّل من كانوا يحتقرونك بالأمس ليصطفّوا معك مادمت أخذت لك وضع حصان طروادة الذي يحلمون به وسيلتهم لدكّ حصون العدوّ…

ومن الذي يصلح عدوّا لهؤلاء الكثيرين غير حركة النهضة التي يعاديها الرئيس؟

هذا سيناريو نموذجي لتلويث السياسة ضمن الاستراتيجيا التي لا تريد لتونس ديمقراطية تكون السيادة فيها لشعبها إنّما تريد لها أن تبقى محميّة يحكمها دكتاتور تُشحن له الأوامر ليكون هو عون التنفيذ.. سيناريو تلويث المشهد السياسي والدفع بالأمر إلى أقصاه إلى حين ظهور الدكتاتور المنقذ بعد أن يصاب الجميع بالإنهاك…