نموذجان عن أزمة القوى الديمقراطيّة: نجيب الشابي ومحمّد عبّو...

نموذجان عن أزمة القوى الديمقراطيّة: نجيب الشابي ومحمّد عبّو...

أشرنا في أكثر من مناسبة إلى أنّ الأزمة السياسيّة التي تعرفها البلاد ليست أزمة نظام سياسي ولا قانون انتخابي، على أهميّة هذين المستويين (في الديمقراطيّة المستقرّة). 

من وجهة نظري

هي أوّلا : أزمة سلطة تذرّرت بعد مركزة لستّة عقود، فكان أن انفصل  الحكم عن السلطة. ولم يعد المفوّض بالانتخاب لقيادة المرحلة، سواء أكان حزبا أم ائتلافا، يملك السلطة الكافية لتنفيذ السياسات والإصلاحات المطلوبة. أيّ أن الشرعيّة الانتخابيّة لم تقابلها شرعيّة للحكم. ولذلك لم يحكم أيُّ طرف منذ 2011 (هذا رأينا القاطع). وكلّ الحكومات المتعاقبة إلى اليوم هي حكومات تصريف أعمال (رأي عليه شبه إجماع). 

وهي ثانيا:  أزمة القوى ديمقراطية في تردّدها عن رسم حدودها الواضحة مع مكوّني الشعبوية والفاشيّة الطارئين والمناهضيْن خطابا وأداءً للديمقراطية ومسارها. ولقد كنّا ضبطنا ديمقراطيّة القوى الأحزاب والقوى السياسيّة في الالتزام بمرجعيّة الثورة والدستور والديمقراطيّة واستكمال مسارها والاختيار الشعبي الحر للتداول السلمي على المسؤليّة...هذا هو مضمون ديمقراطيّتها مرحليّا.

ولتوضيح جانب من أزمة القوى الديمقراطيّة أتوقّف بإيجاز عند شخصيّتين سياسيّيتين تلخّصان الفكرة: نجيب الشابي، ومحمّد عبّو. 

نجيب الشابي نبّه، في أكثر من تصريح، إلى ما تمثّله الشعبوية من خطر على الديمقراطية. ولكنه دعا إلى اللقاء مع الفاشيّة.  أمّا محمد عبّو فقد حذّر ـ على استحياء ـ  من الفاشيّة، وهو يدرك التقاء حزبه معها سياسيا (3 مناسبات تصويت) وموضوعيا (اعتبار استهداف الديمقراطيّة وجهة نظر، وهذا عمليّا استهداف لشروطها). ولكنّه انبرى البارحة على قناة الحوار التونسي شارحاً لوجهة نظر قيس سعيّد (منشورة على صفحة رئاسة الجمهوريّة) على إثر لقاء سعيّد مع الطبوبي.

ومن سخيف المغالطة أنّ سي محمّد يقدّم "شرحه" على أنّه رسالة إلى السيّد رئيس الجمهوريّة. وهو في حقيقته مناشدة أخرى سيّئة الإخراج، ولا تخلو من استجداء من رجل كانت له وقفته التاريخيّة في مواجهة الاستبداد (لا يمكن نسيان كلمته في تجمّع عام باب بنات)، وكان محترما رغم صعوبة أن تجد ما تختلف فيه معه.        

هل كان قادرا على الجمع بين مناشدة سعيّد والدعوة إلى الانقلاب وهو على رأس الحزب الذي أسّس؟ يبقى السؤال معلّقا في انتظار الإجابة المناسبة.. 

نجيب الشابي يساري ديمقراطي مشكلته الأساسية، من وجهة نظرنا، أنّه لم يتبيّن شروط مكافحة الاستبداد فكان تعامله وظيفيا مع قواه الحقيقية (الإسلاميين)، وليس حقوقيّا إنسانيّا بأفق سياسي مقاوم مثلما هو منحى الدكتور المرزوقي. وأخطأ سي نجيب في فهم الديمقراطيّة وشروطها، بعد 2011. وإلى اليوم يعاني من هذه الخلل البنيوي. ولكن نجيب الشابي مازال متمسّكا بمعنى مهم في الديمقراطيّة هو الصندوق والاختيار الشعبي الحر، ورافضا بقوّة لكلّ عمليّة انقلاب تحت أيّ مسمّى.

محمد عبّو "السياسي الشعبي" يخرج عن كلّ هذا ويقطع كل صلة بالديمقراطيّة والاختيار الحر والمؤسسات المنتخبة. ويفرد منها مؤسسة واحدة حين يدعو قيس سعيّد إلى تفعيل صلاحيّاته، وما تحته من أجهزة (ذكر بعضها). وحين تقول له مريم: يعني الحلّ في انتخابات سابقة لأوانها. يجيبها: لا...سيعودون بالانتخابات مجدّدا..

الرجلان لم يدركا حدّ الديمقراطيّة: الشابي لم يدركه من جهة الفاشيّة وعبّو لم يدركه من جهة الشعبويّة (حتّى لا أقول من الجهتين).   
يلتقي محمّد مع نجيب في كون النهضة غير ديمقراطيّة. وينفرد عبّو باتهام النهضة بالفساد. وقد لوّح بهذا الاتهام حتّى وهو وزير فوق العادة في ائتلاف فيه النهضة المتّهمة. وكلّ هذا مقبول شرط إقامة الدليل عليه (وإن كان الجميع موضوعا للاتهامين من حيث الواجب بمن فيهم سي محمد)، وأن يكون القضاء هو الفيصل. وألاّ يبقى في حدود الثأر السياسيّ وتبرير النكوص... 

محمّد عبّو، في تصريحه البارحة، تجاوز كلّ هذا ودعا قيس سعيّد إلى الانقلاب. وإقصاء "الفاسدين" من النهضة وقلب تونس والائتلاف من الحوار . وهذا شرح لكلمة سعيّد الغامضة. وإلاّ فإنّ الشعب سيخرج للشارع (كأنّ الشعب زر تحت إصبع من هبّ ودبّ). وذِكْر قلب تونس جاء عرضا، لأنّ سي محمّّد فضّل في ائتلاف حكومة الفخفاخ مشاركة قلب تونس على مشاركة النهضة وأنّه لا اعتراض على حزب نبيل...يبدو أنّ هناك أسبابا أعمق لم تتكشّف بعد. 

في هذا، لا يختلف سي محمّد في شيء عن دعوات "أكاديميا التسوّل" (حمّادي بن جابالله) ووزراء بن علي البؤساء (الصادق شعبان ) ومن شابههم في مناشدة قيس سعيّد "الداعشي سابقا" (حسب حمّادي والشلّة متاعه).

ونعتبر أزمة القوى الديمقراطيّة بالتشخيص الذي بيّنّا أخطر الأزمات. ومثلما كان أزمة القوى المنتسبة إلى الثورة مدخلا إلى عودة القديم (اعتصام الروز والحوار الوطني) وإجهاض مسار التأسيس، سيكون استفحال أزمة القوى الديمقراطيّة سببا في إجهاض مسار الانتقال إلى الديمقراطيّة، رغم يقيننا بأنّ الديمقراطيّة وحركة تأسيس الحريّة هي القوّة الوحيدة القادرة على الكفاح عزلاء من كلّ سلاح إلاّ حقيقة الإنسان و"شريحة" الحريّة المركوزة فيه.    

مرجعنا في تقييم المواقف، كلّ المواقف، هو الديمقراطيّة ومسارها. وهي المنوال الذي يمكّننا من تبيّن شروط بنائها واستكمال مسارها. وبه نزن كلّ كبيرة وصغيرة في مشهدنا، بما في ذلك الاحتجاجات الاجتماعيّة والاستحقاقات المحليّة...