منعا لتغوّل رئيس الجمهوريّة.. هذا هو الطريق الدستوري والقانوني والسياسي لتمرير التحوير الوزاري وقطع الطريق على خرق سعيّد للدستور

منعا لتغوّل رئيس الجمهوريّة.. هذا هو الطريق الدستوري والقانوني والسياسي لتمرير التحوير الوزاري وقطع الطريق على خرق سعيّد  للدستور

كتب الأستاذ عبد اللّطيف درباله:

حفاظا على الديمقراطيّة والدستور ومنعا لتغوّل رئيس الجمهوريّة وبقطع النظر عن شخص المشيشي والأحزاب:

هذا هو الطريق الدستوري والقانوني والسياسي لتمرير التحوير الوزاري وقطع الطريق على خرق رئيس الجمهوريّة للدستور..


إنّ أيّ تراجع أو تنازل من رئيس الحكومة لفائدة رئيس الجمهوريّة هو تكريس للحكم الفردي من جديد.. وتأسيس لسابقة تجعل من رئيس الجمهوريّة رقيبا أعلى على الحكومة ورئيسها والبرلمان والقضاء.. ومنتحلا لصفة المحكمة الدستوريّة..!!

كما سبق وأن أوضحنا مرارا.. فإنّ الأمر لا يتعلّق لا بشخص هشام المشيشي ولا بأيّ حزب داعم له..
ففي النهاية.. فإن كان هشام المشيشي رئيس حكومة سيّئا.. فهو من سيّئات من اختاره وهو رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد..
وإن كان حسنا.. فعليه أن يثبت ذلك مستقبلا في حكمه.. فالحسن هو ما يظهر فعلا على أرض الواقع.. إذ أنّ السياسة ليست لا بالأقوال ولا بالأمنيات..
ولكنّ الأمر يتعلّق اليوم.. وفي رأينا المتواضع.. بسؤال مصيريّ وهو: هل نترك الدستور لقمة سائغة ليحتكر رئيس الجمهوريّة الذي "صادف" أن كان سابقا أستاذ قانون دستوري.. تأويله وتفسيره على مزاجه وهواه ومصلحته السياسيّة والشخصيّة.. بطريقة منفردة وأحاديّة.. منّصبا نفسه دون سند دستوريّ مكان المحكمة الدستوريّة.. ومنصّبا نفسه بنفسه وفي نفس الوقت الخصم والحكم.. فيعتقد بأنّه وهو في خلاف مع رئيس الحكومة.. يمكنه أن يكون طرفا في الخلاف.. وهو في نفس الوقت القاضي الذي يبتّ في ذلك الخلاف.. ويفسّر القانون.. ويصدر الحكم.. وينفّذه أيضا..؟؟!!
-
يشكّل ذلك بالتأكيد خطرا على الديمقراطيّة التونسيّة الناشئة.. والتي تعاني بطبيعتها صعوبات جديّة نتيجة أسباب عديدة.. منها أساسا سوء القانون الانتخابي..وضعف وهشاشة وانتهازيّة الطبقة السياسيّة.. ونتيجة عديد الثغرات التي كشفت التجارب والوقائع وجودها في دستور سنة 2014.. ونتيجة غياب المحكمة الدستوريّة التي أوكل لها الفصل 101 من الدستور إختصاص حلّ الخلافات بين رئيس الجمهوريّة وبين رئيس الحكومة..
وباعتبار أنّ الخضوع لرغبات رئيس الجمهوريّة المخالفة للدستور.. مهما كانت المآخذ على التحوير الوزاري.. والاخلالات الدستوريّة.. وشبهات الفساد المتعلّقة ببعض الوزراء المعيّنين.. سيشّجع رئيس الجمهوريّة ويفتح الباب على مصراعيه أمامه ليتحكّم في كلّ القرارات سواء لرئيس الحكومة أو للحكومة أو لمجلس نواب الشعب أو للمجلس الأعلى للقضاء أو الهيئات الدستوريّة أو لغيرهم..
وبرغم كون الدستور لم يعط لرئيس الجمهوريّة سلطة عليا في مراقبة أعمال أو قرارات رئيس الحكومة ولا الحكومة نفسها.. أو الاعتراض عليها.. أو استعمال حقّ الفيتو.. أو معاقبة رئيس الحكومة بأيّ وسيلة كانت.. مثل فعل ذلك بالاعتراض على قرارات التعيينات الحكوميّة التي خصّ الفصل 92 من الدستور رئيس الحكومة بمفرده بسلطة القرار فيها.. أو الرقابة العليا على أعمال الحكومة التي نصّ الفصل 95 من الدستور على أنّها مسؤولة (فقط) أمام مجلس نواب الشعب..

لذا فإنّه من الواجب الوطني اليوم التصدّي لمثل هذا التعسّف والصلف السياسي من رئيس الجمهوريّة.. ومحاولته إفراغ الدستور من محتواه.. وقلب النظام السياسي رأسا على عقب.. بتحويله من نظام برلماني إلى نظام ليس فقط رئاسيّا.. وإنّما إلى نظام "رئاسوي" يملك رئيس الجمهوريّة فيه وحده السلطة العليا والمطلقة للحلّ والعقد.. دون أيّ سند قانوني لذلك في الدستور الجاري به العمل.. ودون اتّباع الإجراءات القانونيّة والدستوريّة والشعبيّة والديمقراطيّة في تغيير النظام السياسي.. وإنّما فقط عبر محاولة الركوب على صفة رئيس الجمهوريّة "حامي الدستور" لاحتكار فهم وتأويل وتطبيق الدستور على "المذهب القيسيّ" لا غير..!!
لكلّ ذلك فإنّ من واجب ودور رئيس الحكومة.. أن يتصدّى للنزعة الفرديّة لرئيس الجمهوريّة.. وأن يستمرّ في فرض تطبيق التحوير الوزاري من حيث المبدأ.. بقطع النظر عن الأشخاص والحيثيّات والتفاصيل..
حتّى وإن غيّر لاحقا بعض الوزراء.. لكن على أن يكون ذلك بعد تنصيبهم..!!

وباعتبار ما سبق لنا تقديمه من تحليل قانوني ودستوري.. من كون أداء اليمين أمام رئيس الجمهوريّة من قبل الوزراء المعيّنين بطريقة فرديّة في وقت لاحق لتشكيل الحكومة.. هو غير منصوص عليه بالدستور.. ولا وجود لنصّ دستوريّ يفرضه..
وأنّ أداء اليمين لرئيس الحكومة وأعضاؤها الوارد بالفصل 89 من الدستور جاء في نطاق نصّ قانوني خاصّ وظرفيّ يتعلّق فقط بإجراءات تكوين الحكومة الجديدة بعد الانتخابات التشريعيّة الجديدة.. ويعدّ ذلك أداء لليمين من الحكومة برمّتها بطريقة جماعيّة لا فرديّة.. وخاصّة من رئيسها باعتباره المسؤول دستوريّا عنها.. على غرار أداء رئيس الجمهوريّة لليمين أمام مجلس نواب الشعب بعد الانتخابات الرئاسيّة.. دون لزوم أن يؤدّي وزراء رئاسة الجمهوريّة اليمين..
*(يمكن مطالعة بعض مقالاتنا التحليليّة السابقة في الموضوع)
وباعتبار ما اعترف به رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد نفسه.. وبخطّ يده وبريشته.. في مكتوبه الرسمي الموجّه لرئيس الحكومة بتاريخ يوم الاثنين 15 فيفري 2021.. والذي شرح فيه أسبابه للاعتراض على التحوير الوزاري.. وقد أورد بنفسه في البند الأوّل ما يلي حرفيّا:
" 1 ـ إن التحوير الوزاري ليس تشكيلا لحكومة جديدة، ولا يدخل تحت طائلة الفصل 89 من الدستور الذي يتعلق فقط بتكوين حكومة إثر الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية."
وباعتبار أنّ الدستور لا يحدّد خارج الفصل 89 المذكور أيّ قاعدة تنصّ على وجوب أداء اليمين من طرف الوزراء الجدد المعيّنين لاحقا لتشكيل الحكومة بطريقة فرديّة أو في تحوير وزاريّ..

وباعتبار أنّ الفصل 92 من الدستور الذي شرح واستعرض وعدّد صلاحيّات وسلطات رئيس الحكومة في التعيينات.. ونصّ على سلطته المطلقة في قبول إستقالة الوزراء أو إقالة أو تعيين وزراء جدد.. وقد فرض لذلك بعض الشروط.. لكنّه لم ينصّ بتاتا على أنّه يجب على الوزراء المعيّنين أداء اليمين لا أمام رئيس الجمهوريّة ولا أمام أيّ جهة أخرى.. في حين أنّ أداء اليمين المنصوص عليه بالفصل 89 يتعلّق بأداء الحكومة برمّتها وبطريقة جماعيّة لليمين بعد تشكل الحكومة إثر انتخابات جديدة كما سبق شرحه بالتفصيل آنفا..
وباعتبار أنّ الفصل 95 من الدستور نصّ على أنّ "الحكومة مسؤولة أمام مجلس نواب الشعب".. وهو ما يعني بأنّه لا مسؤوليّة للحكومة أمام رئيس الجمهوريّة.. وأنّ مجلس نواب الشعب وحده هو من يملك دستوريّا سلطة مراقبة أعمال وقرارات الحكومة ورئيسها والموافقة عليها أو رفضها.. بما في ذلك حجب الثقة عن الوزراء فرادى.. أو عن الحكومة برمّتها..
وباعتبار أنّ مجلس نواب الشعب عبّر صراحة ومسبقا عن موافقته على الوزراء المعيّينين عبر المصادقة على منحهم الثقة بجلسة 26 جانفي 2021.. رغم أنّ الدستور لا يفرض ذلك..
وباعتبار أنّ موقف رئيس الجمهوريّة وتأويله للدستور بحقّه في الامتناع عن قبول أداء اليمين للوزراء المعيّنين من رئيس الحكومة إن كانت له مؤاخذات عليهم.. بما يمنعهم من ممارسة مهامهم ويبطل بذلك عمليّا وواقعيّا قرارات لرئيس الحكومة.. فيجعل هذا الأخير والحكومة مسؤولة أمامه ومطالبة بإرضاء رئيس الجمهوريّة.. الشيء الذي لا وجود لأيّ سند أو فصل في الدستور يقرّره.. كما يتعارض تماما مع مقتضيات الفصل 95 من الدستور..
وباعتبار أنّ السلطة التي يدّعيها رئيس الجمهوريّة لنفسه في الرقابة على أعمال رئيس الحكومة وتقييم تعييناته وتسمياته للوزراء والاعتراض عليها وممارسة حقّ الفيتو في شأنها عبر الامتناع عن تنظيم أداء اليمين وإصدار التسميات.. هي سلطة لا تستند إلى أيّ سند دستوريّ أو قانونيّ.. وإنّما "اخترعها" رئيس الجمهوريّة لنفسه خارج الدستور وعبر سياسة الأمر الواقع..
وباعتبار أنّ الفصل 101 من الدستور نصّ صراحة على أنّ الخلافات بين رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة تفصل فيها المحكمة الدستوريّة.. وليس رئيس الجمهوريّة نفسه..
وباعتبار أنّ المحكمة الدستوريّة لم تُؤَسّسْ حتّى اليوم.. وأنّ الدستور لم يمنح في نفس الوقت لرئيس الجمهوريّة سلطة تعويض المحكمة الدستوريّة وقتيّا إلى حين تكوينها.. والحال أنّ الدستور منح  في النقطة (7) من الباب العاشر تحت عنوان "الأحكام الانتقاليّة" لما يسمّى "الهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة مشاريع القوانين" سلطة وقتيّة في مراقبة دستوريّة مشاريع القوانين.. ولو كان المشرّع راغبا في منح سلطات وقتيّة مماثلة لرئيس الجمهوريّة أو لغيره لنصّ على ذلك صراحة.. ولكنّه لم يفعل.. ولم يعط صلاحيّات لأيّ هيئة ولا لرئيس الجمهوريّة في تعويض بقيّة صلاحيّات المحكمة الدستوريّة مثل تأويل أحكام الدستور أو فضّ وحسم الخلافات بين مختلف السلط.. وهو ما يسقط الصفة التي زعمها رئيس الجمهوريّة لنفسه..

وباعتبار كلّ ما تقدّم شرحه فإنّه على رئيس الحكومة انتهاج أحد خيارين:
أمّا أن يقتنع بأنّه لا وجود لواجب دستوريّ لأداء الوزراء الجدد لليمين.. حتّى ولو جرى العرف السياسي بذلك سابقا.. ويمكّن بالتالي الوزراء الجدد من استلام وزاراتهم ومباشرة مهامهم الوزاريّة..
أو أن يتمسّك رئيس الحكومة بالعرف السياسي الجاري به العمل سابقا (دون لزوم ذلك دستوريّا).. ويقوم في هذه الحالة بتوجيه مكتوب إلى رئيس الجمهوريّة يضرب فيه أجلا أخيرا مثل أسبوع أو أسبوعين أو نهاية شهر فيفري مثلا.. لتنظيم جلسة أداء يمين للوزراء الجدد.. مع لفت نظره أنّه إن لم يفعل ذلك.. فإنّه سيكون مضطرّا لتمكين الوزراء الجدد من تولّي مناصبهم ومباشرة سلطاتهم طبق السلطات المخوّلة له بالفصل 92 من الدستور.. دون التوقّف على أداء اليمين أو صدور أمر تسميتهم بالرائد الرسمي باسم رئيس الجمهوريّة..

في هذه الحالة.. ماهو المآل القانوني والدستوري لمثل هذا التصرّف لرئيس الحكومة؟؟

من الناحية الدستوريّة..
فإنّ قيام رئيس الحكومة بذلك التصرّف يبدو في محلّه وقانونيّا..
وهو ما أجمع عليه أغلب خبراء القانون الدستوري.. الذين أقرّوا بأنّ سلطة رئيس الجمهوريّة في تنظيم جلسة أداء اليمين للوزراء الجدد هي "سلطة مقيّدة".. وأنّه لا يحقّ له بأيّ سند دستوريّ الاعتراض على قرارات رئيس الحكومة في ما يخصّ التحوير الوزاري..
بل أنّ رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد نفسه كان أفتى في شهر نوفمبر 2018.. وبصفته حينها أستاذا للقانون الدستوري.. وفي خلاف مماثل بين رئيس الجمهوريّة السابق الباجي قايد السبسي ورئيس الحكومة في وقتها يوسف الشاهد باعتراض الأوّل على تحوير وزاري أجراه الثاني.. بأنّ امتناع رئيس الجمهوريّة السبسي عن قبول الوزراء الجدد لأداء اليمين هو تصرّف سياسي محض ولا أثر قانونيّ له.. وأنّ سلطة رئيس الجمهوريّة مقيّدة في تلك الحالة.. وأنّه يكون بذلك قد خرق الدستور..
وإنّ الرأي المعبّر عنه من أساتذة القانون الدستوري عند إجتماعهم مؤخّرا برئيس الحكومة بكون الحلّ يكون سياسيّا أساسا.. هو رأي لا ينفي رأيهم القانوني التقني بعدم دستوريّة تصرّف رئيس الجمهوريّة الذي عبّروا عنه صراحة وبوضوح عبر وسائل الإعلام.. ولكنّه رأي اعتباري يقرّ بأنّه في غياب المحكمة الدستوريّة فإنّه لا حلّ دستوري يمكنه أن يلزم (بالقوّة) رئيس الجمهوريّة باستقبال الوزراء الجدد لأداء اليمين..

كما أنّه في غياب المحكمة الدستوريّة.. فإنّه لا وجود لسلطة دستوريّة قادرة على البتّ في الخلاف بين رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة..
وبالتالي لا وجود حاليّا لأيّ سلطة يمكنها إبطال قرار رئيس الحكومة بالمضيّ قدما في تنفيذ التحوير الوزاري رغم معارضة رئيس الجمهوريّة..

يبقى "الخطر" القانوني الوحيد واقعيّا.. هو الطعن في قرارات الوزراء الجدد بدفع أنّ عدم أدائهم لليمين وعدم صدور تسميتهم من رئيس الجمهوريّة بالرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة.. يفقدهم الشرعيّة لمنصب الوزير.. ويجعل قراراتهم صادرة من غير ذي صفة.. وبالتالي فإنّ قراراتهم إن ثبت ذلك يمكن أن تكون باطلة..
في هذه الحالة فإنّ الطعن سيكون أمّا بدعوى تجاوز السلطة.. أو بدعوى إلغاء القرارات الإداريّة الصادرة عن الوزير المعنيّ بالأمر..
في الحالتين فإنّ مثل هذه الدعاوى (تجاوز السلطة أو إلغاء قرار إداريّ) تخضع للقانون الإداري.. ويجب أن تُرفع أمام المحكمة الإداريّة..
المحكمة الإداريّة بدورها سبق وأن طلب رئيس الحكومة رأيها الاستشاري في الموضوع.. في نطاق ما أوكله القانون لها من إمكانيّة إبداء رأي استشاري مسبق بطلب من الحكومة.. فأصدرت قرارا بعدم اختصاصها بالبتّ في الموضوع لكونه يتعلّق بتطبيق فصول دستوريّة والخوض في تأويلها وهو ما يخرج عن نطاق اختصاصها.. ويدخل في الاختصاص الحصري الذي أوكله الدستور نفسه للمحكمة الدستوريّة..
يعني ذلك.. أنّه في حالة الطعن أمام المحكمة الإدايّة ضدّ أحد الوزراء المعنيّين بعدم أداء اليمين.. فإنّ البتّ في الدعوى سيتطلّب من المحكمة الإداريّة أوّلا تأويل أحكام الدستور.. لمعرفة هل أنّ تعيين الوزير ومباشرته لمهامه تضمّن خرقا للدستور أم لا.. لتقرّر هل أنّه يملك صفة قانونا لأداء مهام الوزير وإصدار القرارات والأوامر الترتيبيّة أو غيرها أم لا.. وهو ما سبق للمحكمة الإداريّة نفسها وأن أفتت فيه مسبقا بعدم اختصاصها في البتّ أو النظر فيه لكونه ذو صبغة دستوريّة ومن مهام المحكمة الدستوريّة.. بما سيجعلها والحالة تلك ترفض الدعوى شكلا لعدم اختصاصها الحكمي..

ومن هنا إلى تكوين المحكمة الدستوريّة..لكلّ حادث حديث..    

مرّى أخرى نؤكّد على أنّ الأمر لا يتعلّق بشخص هشام المشيشي.. وإنّما يتعلّق بأمر مبدئيّ وهو عدم فتح الباب لسيطرة رئيس الجمهوريّة بمفرده.. وخارج أحكام الدستور.. على جميع السلط.. فيأخذ دور الرقابة العليا على رئيس الحكومة وعلى الحكومة وعلى مجلس نواب الشعب وعلى المجلس الأعلى للقضاء وعلى سائر الهيئات الدستوريّة.. بل والحلول محلّ المحكمة الدستوريّة أيضا.. كلّ ذلك بدون أيّ تفويض دستوري.. وإنّما بتأويل "مطّاطي" شخصي وفرادني للدستور.. وفقط لأنّه مكلّف باستقبال بروتوكول أداء اليمين أو بإصدار التسميات بالرائد الرسمي..
يجب على رئيس الحكومة هشام المشيشي أن يكون واعيا بأنّ الأمر لا يتعلّق لا بشخصه.. ولا ببقائه بمنصب رئيس الحكومة.. ولا بلون أو مواقف الأحزاب الداعمة له..
وإنّما يتعلّق بأمر مبدئيّ من واجبه إن أراد أن يكون على قدر المسؤوليّة السياسيّة والدستوريّة أن يدافع عنه.. حتّى لا يسجّل التاريخ لاحقا بأنّه الرجل الذي صعد على ظهره رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد لينصّب نفسه الحاكم الأعلى للبلاد..!!

إنّ أيّ تراجع.. أو تنازل سياسيّ لمحاولة حلّ الأزمة.. سواء من رئيس الحكومة أو من الأحزاب الداعمة له.. بتعلّة البحث عن حلّ سياسي ومصلحة البلاد وغيرها من التبريرات الواهية.. سيكون في الحقيقة هو نفسه الضرر البالغ بمصلحة البلاد.. وتكريسا لفرض هيمنة رئيس الجمهوريّة بدون سند دستوري على كامل السلط الأخرى.. و"فتح شهيّة" قيس سعيّد للتحكّم في جميع القرارات والتسميات..
وهو الأمر الذي لا يجب السماح به على الإطلاق.. مهما كان الثمن..
لكونه سيعيد الحكم الفردي من جديد لرئيس الجمهوريّة الذي يعتبر نفسه السلطة المطلقة فوق جميع السلط.. والحاكم الأوحد خارج أيّ سياق.. بتعلّة أنّه حامي الوطن والشعب والكذا والشيء.. وغيره ممّا كان شعارات واهية وزائفة لتبرير الحكم الفردي لبورقيبة وبن علي..

وعلى رأي قيس سعيّد نفسه.. لقد خرج العصفور من قفص الحكم الفردي.. ولا يجب أن يعود للقفص..