محمّد عبّو مُنَظِّرًا.. قراءة في تعاليم الرجل

محمّد عبّو مُنَظِّرًا.. قراءة في تعاليم الرجل

نور الدين الغيلوفي

الأستاذ محمد عبّو صاحب عقل كبير يسمح له بأن ينتصب خطيبا في الناس يُفهمهم ما لا يستطيعون فهمه ويفسّر لهم ما لا ترقى إلى إدراكه عقولهم… أمر السياسة يحتاج عقلا راجحا.. وليس أرجح من عقل سي محمّد الذي قرّر أن يكتب “لمن لم يفهم سابقا ولمن يريد أن يفهم، ولأعضاء المجلس الوطني للتيار الديمقراطي”.. جميع هؤلاء يحتاجون إلى نفحات سيّد الفهم وربّ الإفهام ورافع العُجمة عن الكلام وماسك زمام المحاججة والبيان.. كذا المصلحون في كلّ عصر يعصرون عقولهم لتشرب العجول في الحقول…

انتهى التفكير بالسيد محمّد عبّو إلى أنّ (تونس بعد الثورة تدمّرها أحزاب سياسية متورطة في الفساد وفيما يتبعه من جرائم أخرى.. (هكذا)..).. وهؤلاء لا يختلفون، في نظر سي محمّد، عن الطرابلسية إلّا في شيء واحد هو “الوقاحة التي تجاوز فيها اللاحقون السابقين.. لقد كان الطرابلسيّة يفسدون بصمت، ولم يكونوا يجرؤون على “الرد علينا”… -ونون الجماعة تعود على سي محمّد وأضرابه من شجعان الفرسان، لمّا كنّا، والكون بطبيعة الحال يعود على سي محمّد-، نتّهمهم بالفساد..)…
وسي محمّد محام بارع في كيل التّهم للطرابلسيّة من قبل ولأشباههم من بعد…

ومن منّا ينسى إمامة سي محمّد في نقد فساد الطرابلسيّة في السرّ والعلن.. ونقد كلّ فساد سابق ولاحق؟ ومن قديم الزمان احترف الرجل في قلم الفساد ظاهرِه وباطنِه حتّى صار له اختصاصا بات عليه حكرا…

عقل سي محمد بعيد مداه يصعب على “الفهّامة”.. ولتقريب الفهم جاء بحجّة المماثلة.. وقد هداه عقله الراجح إلى أنّ تونس بعد الثورة أسوأ منها قبلها.. وكانت أداته لتفسير ذلك هي “الطرابلسية” وقد صارت لهم نسخة شبيهة بهم بعد الثورة تتمثل في أحزاب سياسية يراها سي محمد “متورطة في الفساد #وفيما يتبعه من جرائم أخرى”…

عرفتم الفساد… “شدّوا به أيديَكم” عسى أن يعرّفكم سي محمّد، في مناسبة أخرى #بالجرائم_الأخرى…

سي محمد محام يشمّ الجريمة شمّا على بعد مئات الأميال ولا تعجزه جريمة في بحر رطب ولا في برّ يابس.. وإذا كان سي محمّد في حالة المحامي يرى المتّهم بريئا حتّى تثبت إدانته، وكثيرا ما كان بمهارته، يقلب الإدانة براءة، وهو الخبير في القضايا العارف بمسارب الجرائم وبمآرب القضاء ومهارب المحامين، فهو في حالة الزعيم السياسي يرى إدانة الخصوم هي الأصل.. وقد قرّر أنّهم متّهَمون ولا براءة لهم.. أمّا تُهمهم فتجاوزت تهم الطرابلسية.. فبينما كان “أسلاف الطرابلسية مهذَّبين يفسدون بصمت بدا هؤلاء الأخلاف وقحين.. يفسدون بلا صمت.. إذ يجرؤون على الرد على سي محمّد.. وتلك قمّة الوقاحة.. فإذا فسدتَ فمن الأفضل لك أن تفسد في صمت ولا تنطق عسى أن تجد لك بين يدي سي محمّد شافعًا…

سي محمّد، بعد الثورة، يريد أن يُنْفِذَ تُهَمَه بلا ردّ مثلما كان يفعل قبلها.. ولو أنّ هؤلاء “الفاسدين الجدد” فسدوا فسادا صامتا لكان الرجل ساوى بين الطرابلسية وبينهم وربما دافع عنهم.. في المحاكم طبعا لا في السياسة.. فهم في المحاكم حرفاء يدفعون له أمّا في السياسة فخصوم ينافسونه.. وشتّان بين المنزلتين…

سي محمد في المحاكم يطلب التخفيف أمّا في السياسة فيلعب دور النيابة العمومية.. تُهمه بالجملة.. يطالب بتشديد العقوبة لا سيما إذا كان المتّهمون من السياسيين مورَّطين يصرّون على سياسة الهروب إلى الأمام.. ويزيدون من “تكريس مناخ الفساد والمحسوبية والابتزاز واستغلال القضاء والأمن والإدارة والبرلمان، لتحقيق المنافع الشخصية والحزبية. وهذا لن يسمح بتحسين أوضاع التونسيين، بل إنه يقوم قرينة على أن الأمور ستسوء”…

والعيب، كلّ العيب، على السيد الفخفاخ، الذي خالف تصوّر سي محمد وأتباعه عندما “رفض أن يكون للتيار وزارات تسمح بمعرفة ما يحصل من جرائم فساد سياسي والعمل على محاسبة مقترفيه”..

#مهلًا…
سي محمد، إلى حدّ اللحظة، لا يملك أن يعرف.. ولا غاية له من الوزارات التي يطالب بها سوى المعرفة.. ولا شيء غير المعرفة.. فهل كان الرجل، في كلّ ما قال وما كتب، يرسل تهمه قبل أن يعرف شيئا منها؟.. لاشكّ في أنّ العيب في إلياس الفخفاخ الذي منعه من وزارات تسمح له بأن يعرف ما حصل…

كيف عرف فساد الفاسدين إذن؟

الجواب ليس عندي.. والمعنى في بطن الشاعر.. كلّ الذي يعرفه سي محمّد أنّ النهضة ترفض.. والعقدة في النهضة.. وهذا الكلام قديم.. أعرفه… سمعته من جهات أخرى اشتغلت على ضدّ النهضة ولم تجن من شغلها شيئا…

عيب إلياس الفخفاخ أنّه لم يكتف برفض ما طلبه سي محمّد.. بل “اعتبر أنه يكفي التعويل عليه، باعتباره الضامن لمقاومة الفساد”…
ولكن.. مع من يلعب الفخاخ؟
هو لا يدري أنّ لسي محمّد خبرة… إذ “قال له السيد حبيب الجملي هذا”.. ومن قبله قال له “السيد حمادي الجبالي” الشيء نفسه.. غير أنّ سي محمد لا يصدّق من هؤلاء أحدا… كلّهم يكذبون.. وهو وحده الصادق الصدوق…

وحجّته في تكذيب غيره: “قلّة هم الذين يمكن تصديقهم بعد الثورة”.. والقلّة هنا لا تعني أحدا سوى سي محمّد وعترته المنتجَبين…
سي محمّد حاسم في أحكامه.. يصدر تهمه بكلّ حزم.. فهو من فرط علمه ونزاهته يحكم قبل المداولة.. وما حاجته إلى البحث والمداولة والمعنى في بطنه؟

بعد كلّ هذا يبقى سي محمد في حيرة من أمره بين “خيارين، أحلاهما مر” :

  1.     البقاء في المعارضة، لرعاية الثورة في صيغة جديدة لشعار: الصدام الصدام حتّى يسقط النظام.. وقد عبّر عن ذلك تعبيرا صريحا لا يخلو من تهديد.. ونطور أدوات الصراع مع منظومة الفساد بشقيها المنسوب زورا للثورة والمنسوب لما قبلها، في اتجاه تصعيد لم يسبق له مثيل

  2.     أو القبول بالمشاركة..

ليس من رسالة لسي محمّد في الحياة سوى الحرب على الفاسدين والمتواطئين معهم…
وكلّه يقين بأنّ تونس ستتغير يوما ما، نحو الأفضل.. غير أنّه يرجو “أن يكون ذلك بطريقة هادئة وألا يتجاوز الأمر سنة 2024”.. والتعبير ظاهره كباطنه: تهديد باستئناف الثورة لاجتثاث الفساد.. وكلّ الذي يرجوه أن تكون الطريقة هادئة.. سي محمّد يرفض عنف التغيير.. ويخشى عواقبه على السلم الأهليّ..

وعند الختام تساءل سي محمد: متى ينهض شعبنا؟ متى ينتبه لفساد من ينتخبهم، ولتحيّلهم عليه؟ متى يتوقف عن اختيار أعدائه؟

ولكنّه شعب غبيّ لا ينتبه.. وليس أغبى من شعب ينتخب الفاسدين ويختار أعداءه.. أما كان أحرى به أن يختار “صديقه الذي يحنو عليه”رمز الطهارة والنقاء والأيادي البيضاء؟ سي محمّد.. والذين معه.. الذين ربّاهم على طريقته وهداهم إلى نهجه؟

أمران لا ثالث لهما بقيا لسي محمّد:

  •     أن يعلن براءته من هذا الشعب الأحمق ويبحث له عن شعب آخر يليق به.. شعب منتبه يستحقّ عبقريته ويرقى إلى مستوى طهارته.. ذكيّ لا يقع فريسة للمحتالين عليه.. شعب لا ينتخب غير سي محمّد عبّو…

  •     أو أن يكرّ فيسحق هذا الشعب الغبيّ ولا يبقى منه على غير من يليقون به وبأفكاره التنويريّة الثورية التي تصلح كاسحات لألغام الفساد…

كلمة أخيرة لسي محمّد:

افرض جدلا، أنّك حُكِّمْتَ فحَكَمْتَ بما تريد كما تريد ولم تتمكّن من إدانة أحد من الذين تعتاش على توجيه تهمك المرسَلة إليهم، ترى هل ستعتذر للشعب التونسي؟
هل ستجد قلما آخر تكتب به لك سرديّتك الخاصّة لا تقيمها على ضدّ أحد؟
أظنّ أنّ عجزك عن المطلوب سيجعلك تهمّ بالأمر ولا تفعله.. تتكلّم ولا تُفهم.. ترمي ولا تصيب.. تُطلق فلا تبلغ قصدا.. ولن تجد الشجاعة لتتصدّى للحكم مع غيرك…
ابق حيث أنت خارج مناط التكليف..
ذلك أيسر لك وأقرب إلى الطهارة.