متلازمتي الإستقلاب والإستبداد

متلازمتي الإستقلاب والإستبداد

فتحي الشوك

رحم اللّه الرّئيس الرّاحل الباجي قائد السبسي، كم افتقدنا حضوره الركحي المميّز، سحنته وخفّة دمه وبديهته العفوية وصواريخه الخفيفة المداعبة والمرحة الحاضرة والجاهزة على منصّاتها يطلقها حين تستدعى الحاجة فيحوّل بها لحظات الشدّ العصيبة إلى فترات ارتخاء وراحة ويجعل الغاضب يبتسم مضطرّا والمستنفر الموتور يهدأ.

اشتقنا إلى حركاته وشطحاته وكلماته ولغته المقتطفة من شجرة خضراء لم تتخشّب بعد والقريبة من مسامع المتلقّين، البسيطة والمبسّطة والمبلّغة للمعنى بمفردات دارجة ومستخرجة من قاع “الخابية”.
 
في إحدى زلّات لسانه تحدّث عن الاستقلاب عوض الانقلاب، زلّة لسان مرّت مرور الكرام مع أنّها مصطلحا كان من الممكن إضافته إلى القاموس اللّغوي السّياسي التّونسي لكونه المعبّر عن ميكانيزمات ما يجري في تونس منذ ما يسمّى بدولة الاستقلال.

فالاستقلاب في الواقع هو جملة التّفاعلات الكيميائية الأيضيّة وما تنتجه من بناء أو هدم ومع ما تمتصّه أو تعطيه من طاقة أمّا متلازمة الاستقلاب فهي مجمل الإخلالات الّتي يمكن أن تحصل خلال تلك العمليّات، وتتجلّى كلينيكيا بالسّمنة ومرض السكّري وارتفاع نسب الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدّم والنّقرص والجلطات القلبيّة والدماغيّة والقصور الكلوي.
 
ويبدو أنّنا مصابون بمتلازمة الاستقلاب منذ نشأة دولة “الستٌ قلال” ونتيجة لوثيقة الزّواج الكاثوليكي المبرمة مع المحتلّ السّابق الحاضر الغائب فإنّ كلمة الانقلاب خطيئة كبرى وكلمة يعتبر النّطق بها كفرا بوّاحا ولا بدّ من استعارة صيغ أخرى وهذا ما حصل حين تلاعب الزّعيم الرّاحل بورقيبة بالمجلس التّأسيسي لينقلب على الباي بعد انقلابه على رفاق دربه ثمّ ما حصل له حين انقلب عليه المخلوع بن علي بانقلاب طبّي وأخيرا ما حصل خلال أيّام الثورة من لغط حول استعمال الفصل 56 أو 57 من الدّستور، مع الإشارة أنّه خلال أحداث ڨفصة سنة 1980 تدخّل الجيش الفرنسي دون طلب إذن أحد عندما خيّل للنّظام أنّ تمرّدا عسكريّا قد حصل.
 
وما يحصل اليوم من طوفان للمطلبيّة القطاعيّة والجهويّة واحتجاجات وإضرابات وصبّ للزّيت على النّار ومطالب تعجيزية تحوّلت إلى مقالب، لا يمكن أن تستحمله دولا مستقرّة قويّة فما بالك بالرّخوة والهشّة والفاشلة في وضع اقتصادي كارثي وتفكّك اجتماعي وشبه حالة احتراب أهلي أسّس له نافثي خطاب الحقد والكراهية مع انسداد سياسي وتغييب لصوت الحكمة، ما هو إلّا شكل مبتكر للاستقلاب وتحويل وجهة المسار.

الظّروف استثنائية وتتطلّب حلولا غير تقليدية، هذا ما يروّج له المستقلبون وهم كثر والرّئيس المؤتمن على وحدة البلاد وأمنها يرفض انعقاد مجلس الأمن القومي وعوض أن يكون موحّدا وجامعا ومساهما في إنقاذ ما يمكن إنقاذه يشترط حوارا على مقاسه يستثني منه الفاسدون مع أنّ الفساد في هذا البلد لم يستثن أحدا، ويلمّح إلى صيغة جديدة غير تلك الّتي استعمل فيها الحمار رباعي الدّفع وكأنّه يشير إلى بطّة عرجاء يرفّ لها جناح فيردّ عليه الآخر!

يتمّ هذه الأيّام نشر الفوضى وضرب القانون في مقتل والإجهاز على ما بقي من هيبة الدّولة وتهديد المواطن في رزقه وأمنه ووجوده حتّى ينطق كلمة الكفر بالحرّية والثّورة فيثور على الثٌورة ويعود طواعية إلى إسطبل الدّواب حيث الأمن والأمان ليسبّح بحمد من أنقذه من ورطته وأحياه بعد أن كاد أن يهلك.
 
ويبدو أنّ فخامة الرّئيس أو “بابانا” كما قال “الدكتور” الطرودي، مستمتع بما يجري ومستسلم لهلوساته وما توسوس له شياطينه وهو يرى تنسيقياته الّتي لم يتبرّأ منها تنسّق مع قطّاع الطّرق وشذاذ الأفق ولاعقي أحذية المستبدّين والرقّاصين وأيتام نظام الطّاغية المقبور وأوسخ ما في الدّولة العميقة والمصابين بمتلازمة الاستبداد، لأجل إسقاط المسار المتعثّر أصلا دون بديل واضح سوى عودة إلى مربّع الاستبداد وقد لا يكون فخامته سوى أرنب سباق يستغنى عنه مع بلوغ الهدف وحصول الغاية.

هكذا ستكون فسائل الحرّية عرضة لحوافر المصابين بمتلازمتي الاستقلاب والاستبداد، فهل ستصمد وتزهر؟