ما بين الديمقراطيّة والفاشية والشعبوية..علامات الأزمات العميقة في تاريخ السياسة

ما بين الديمقراطيّة والفاشية والشعبوية..علامات الأزمات العميقة في تاريخ السياسة

ما بين الديمقراطيّة والفاشية والشعبوية بقلم دكتور زهير بن اسماعيل 

الفرق بين الشعبويّة والفاشيّة يظهر في مستويات عدّة منها الخطاب.

وصورته أنّ الشعبوية كلامُ حقٍّ ( رفض تعيينات في الدولة من رموز النظام القديم تتعلّق بهم ملفات قضائية) يُراد به باطلا (خرق الدستور واستهداف شروط بناء الديمقراطيّة لفائدة ذاتوية مركّزة وفكرة غامضة، وإلاّ ماذا يعني تعيين نائب رئيس مكتب تونس بتل أبيب رئيسا للبعثة الديبلوماسية التونسية في الأمم المتّحدة؟، وغير هذا كثير)

في حين تقوم الفاشيّة على كلامٍ باطلٍ ( معاداة الثورة واستهداف الديمقراطيّة) يُراد به باطلاً( استعادة نظام الاستبداد في تقاطع مع أجندات خارجيّة).

في الفاشيّة وضوح يجلوه انسجامٌ بين الوسيلة والهدف، فهي تكشف عن مقدّماتها وتجاهر صَلَفا بأهدافها...هكذا هي الفاشيّة، وهو ما يفسّر إعجاب كثير من "الثوريين" بجذريّتها تجاه خصومهم التاريخيين، فيسهل انزلاقهم باتجاهها، وقد يستعذبونه فيناشدونها بغبطة نادرة وامتلاء غير مسبوق.

في حين تتقابل وسيلة الشعبوية مع هدفها، فبقدرما تراوغ في تلبيس مقدّمتها تخفي هدفها...

وهذا معنى من معاني الخديعة، فهي تراهن على هذا الغموض وتبني نفسها في سياقه. والاستثمار في المناطق الرماديّة عالي المردودية في الأزمات.

وهذا ما يستهوي صنفا آخر من "الثوريين" فيجدون في الشعبوية تذكيراً لهم بفكرة انطلقوا بها ثم اتخذوا منها مسافة مع الوقت والتجربة في مواقع متقدّمة، وإغراءً بمنزلة (مغنم) تشبه ما كان منها يوما في زمن الطيبة والاستدغاف الوطني.

الفاشية والشعبوية من علامات الأزمات العميقة في تاريخ السياسة...

الهدف السياسي الذي تتقاطع فيه الفاشيّة والشعبوية موضوعيّا هو استهداف السائد لا لتطويره تدريجيا (ولو نحو فكرتها)، من خلال الشروط الغالبة والتقاليد الجامعة (اي المسار الديمقراطي)، وإنّما لجعله حجّةً على سداد فكرتها ومبرّراً لكنسه ( استهداف الدستور والديمقرطية ونظامها السياسي).

وينشط في هذه المنطقة الرمادية مقاولو السياسة من شتات تجارب سابقة والباحثون عن واجهة سياسيّة أو مكانة يكونون من خلالها. وهذا ما يضاعف من مأزق القوى الواقعة بين الشعبوية والفاشية في المرحلة الانتقالية، وأعني القوى الديمقراطيّة. وديمقراطيتها تتحدّد بمرجعيّة الثورة والدستور، وبمهمّة استكمال المسار السياسي وبناء الديمقراطيّة، وبالالتزام بالاختبار الشعبي الحر والتداول السلمي على السلطة.

وأزمة القوى الديمقراطيّة تكمن في اختلاف علاقتها بالمحددات المذكورة، وفي ضعف صلتها بالثقافة الديمقراطيّة واهتزاز التزامها بحماية المسار السياسي. فالأصل هو ألا تختلف ولو قليلا حين يُخرق الدستور أو تستهدف المؤسسة الأصليّة البرلمان. لكن حين يَعتبر بعضُها أنّ هذا مجرّد وجهة نظر طلبا للإسناد السياسي منهما ومناكفة للخصوم من القوى الديمقراطيّة تضطرب الصورة.

وكثيرا ما تستعيد القوى الديمقراطيّة ثنائية قديم/جديد التي فقدت إجرائيتها العملية رغم بقايا ظلالها للتنابز فيما بينها بخدمة القديم وهي تعرف أنّها جميعا تكافأت فيها وإن اختلفت درجات هذه الخدمة.

والشعبوية نفسها تُنافس القوى الديمقراطيّة في تبادل الاتهام بالعلاقة بالمنظومة. لأنّها ستجد لها مكانا في صراع قديم/جديد ولن تجده في صراع ديمقراطيّة/فاشية/شعبوية.

وهي تدرك أنّ هذه الثلاثي تمثّل تقدّما مهما في الصراع السياسي وقاعدة الفرز الأصلب التي قد تهمّشها بكشف جوهرها.

وملخص الأمر أنّ الديمقراطيّة تستعطِف ( تحاول إقناع الناس: عطف القلوب على القيمة) والفاشيّة تستَضعِف (تفرض وجهة نظرها)، والشعبوية تستَدْغِفْ (تتحيّل).

———-

**الحق والباطل ثنائية يُقاس بها الفعل البشري من قبل البشر أنفسهم ولغايات بشرية لا علاقة لها بعقائد من كُفر أوإيمان، فالعدل الاجتماعي من الحق والظلم الطبقي من الباطل.وإنّ الله لينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة. كما تقرّر عند القدامى.