كرّهونا في السياسة

كرّهونا في السياسة

نور الدين الغيلوفي

هل يستحقّ الأمر هذا العناد كلّه؟ أليس استثمار خبرات من كان قبلنا أفضل لنا لتدبير شؤوننا؟ لماذا نصرّ على العودة إلى الصفر واستئناف الغباء؟ الذين سبقونا إلى الحضارة ما بلغوا نهضتهم إلّا بعد خراب كبير وقتل كثير، فهل نريد أن نسير سيرتهم الأولى؟ لماذا لا نستفيد من خبراتهم في التفكير والسياسة لنجنّب بلادنا هدر الزمن وقتل الإنسان بفساد السياسات؟

فرقاء الوطن الواحد إذا تدابروا أفسدوا كلّ شيء وما جنوا غير كره الناس لهم وللساسة بسببهم.. وفتحوا الأبواب ليتسلّل أعداء الوطن الذين لا يفرّقون بين أحد منهم وإن هم استعملوا البعض منهم…

هذه الشحناء التي نرى أفسدت كلّ شيء فينا:
الرئيس لم يعد رئيسا.. صار رئيس طائفة تدّعي طهارة لا ترها لغيرها…
ورئيس الحكومة لم يعد رئيس حكومة.. صار رئيس عصابة يستعدي الجميع.. على يمينه وعلى يساره..
والبرلمان لم يعد برلمانا.. صار مرتعا للعابثين وورشة لإنتاج الوقاحة وقلّة الأدب…
واتّحاد الشغل لم يعد اتّحادا للشغل.. صار اتّحادا لتعطيل الشغل وجهازا للتهديد والوعيد.. ينشر مناخ حرب الكلّ ضدّ الكلّ…

هؤلاء الفرقاء الذين يعجزون عن وجود مشترَك بينِهم ينفّرون الناس منهم.. ومن السياسة.. وينشرون مناخا ملائما للفاشيّة… ومن رعونة هؤلاء يتسلّل حنين الضعفاء إلى زمن الدكتاتوريّة الكريه.. تفسد الأمزجة ويتلبّد الجوّ…

ما حنّ الناس إلى الكريه إلّا لأنهم وجدوا ما يوازيه كراهته…
عبير موسي أقبح من سيّداتها الأولى…
وسامية عبّو نبتٌ غريب يصعب تصنيفه.. لا تصنّفوها ضمن اليسار.. فهي لا تملك أن تفهم من أفكار اليسار شيئا.. هي شيء مختلف.. يجري البحث عن وصف يليق به.

#حزب_الكلام_العالي

#يُمنع_هذا_المقال_عن_البعوض

الحزب الذي لا يرى نفسه إلّا نقيضا لخصمه، لا شغل له غير مناكفته ومهاجمته، لا يُعدّ حزبا سياسيّا أصيلا.. والمناضل السياسي الذي يرى في مخالفيه عناوين الفساد بمختلف أنواعه ويرى نفسه المطهّر الأوحد على وجه الأرض وعند السماء ليس هو سياسيا ولا مناضلا…

السياسة جُعلت لخدمة الناس بدفع الضرر عنهم واجتلاب المنافع لهم.. وليس من السياسة في شيء ذاك الذي لا شغل له غير الحيلولة دون أن “تربح اليمن أمريكا”.. مثل هؤلاء يحتاجون فقط إلى حلبة ملاكمة لبيان براعاتهم في الضرب على الصدر وتحت الحزام.. بل لا يحتاجون سوى دور الجمهور الذي لا يفعل غير الصراخ لتشجيع خصم على حساب خصم.. إذ أنّهم لا يضربون بغير الكلام.

كلّما ظهر في البلاد حزب جديد استبشر الناس خيرا وظنّوا أنّهم قد يجدون في المشهد إضافة جدّيّة تساعد البلاد على الخروج من مآزقها التي وضعها النظام المخلوع لها وعجزت مختلِف الأحزاب من بعده عن إيجاد مخارج منها.. غير أنّ الخيبة تظلّ ملازمة لهم لأنّ الأحزاب الجديدة لم تكن أفضل من تلك القديمة.. القديمة أحزاب مُثقَلة بأعبائها الداخلية أغرقتها تفاصيلها التي حدّ لها فبدت عاجزة عن تقديم الحلول أو حتّى الحدّ من المشاكل كالذي نرى من أمر النهضة.. أمّا تلك الحديثة فهي مجرّد صور مستنسَخة من العجز والفشل ومحدودية الأفق.. وكذلك التيّار الديمقراطيّ…

التيار الديمقراطي هو حزب منقطع عن الإبداع لا أفق له غير وراثة الجبهة الشعبية ولا عمل له غير إعادة إنتاج ترّاهاتها التي لازمتها حتّى تبخّرت وصارت مجرّد حكاية صالحة للرواية.. لقد عبثت الحبهة بتاريخ اليسار التونسيّ حتّى أخرجته من المشهد السياسيّ الصريح.. والتيار يتمّ ما بدأت…

الزوجان عبّو هما واجهة الحزب.. أحاطا نفسيهما بجدران كُتب عليها اسم حزب حركة النهضة ورُسم عليها شعارها وعُلّقت عليها صور قياداتها فإذا تكلّم أحدهما كانت النهضة مفتاحَ منطقِه ومقدّمة قوله…

وبدل أن ينبريَ مناضلو الحزب لتشخيص مشاكل البلاد المتراكمة والبحث عن حلول لها، وحدهم أو بالتعاون مع غيرهم، بدل ذلك انشغلوا بحركة النهضة باعتبارها سبب المشاكل وأسّ الفساد وبذرة الشرّ التي لا تَقَدُّمَ بغير استئصالها والخلاص منها.. وهم في ذلك إنّما يحاكون ما كانت تفعله الجبهة الشعبية التي اتّخذت من حركة النهضة ممحاة محت بها نفسها…

حزب التيّار الديمقراطي بات يمثّل عبئا على المشهد السياسيّ لأنّه عاجز عن غير الكلام.. يمارس مناضلوه حريتهم في مهاجمة حركة النهضة بقصد هرسلتها وإخراجها من المشهد في استكمال لبرنامج الجبهة الشعبيّة المنقرضة.. وأكبر دليل على كونه عبئا إلحاحُه على وزارتي العدل والداخلية دون سواهما.. ولو كان هذا الحزب يقصد خدمة البلاد لبحث له عن الوزارات التي على أيديها يكون الإنجاز.. ولانشغل بما له صلة بتنمية الثروة وحلّ مشاكل البطالة وإصلاح الصحّة…

هذا الحزب لا يريد وزارات الفعل لأنّه ليس حزب أفعال.. إنّه حزب مراكمة الأقوال.. وليت في أقوالهم ما يفيد…