فوضى واحتقان داخل القصر.. والسبب نادية عكاشة (التفاصيل)

فوضى واحتقان داخل القصر.. والسبب نادية عكاشة (التفاصيل)

كتبت الاعلامية فايزة الناصر في مقال لها على أعمدة جريدة "الرأي العام":

"تؤكد مصادر مقرّبة من قصر قرطاج، أنّ حالة احتقان كبيرة تسود القصر بسبب قرارات وتدخلات نادية عكاشة، مديرة الديوان الرئاسي..

وزادت هذه الانتقادات الموجهة لمديرة الديوان الرئاسي، بسبب موقفها الأخير من رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي التي يعلم الجميع أنها من أتت به إلى وزارة الداخلية، ومنها إلى تكليفه برئاسة الحكومة، ثم فجأة وبعد أن تدخلت في أغلب تعييناته يدخل الرجل في أزمة مع رئيس الجمهورية، هي السبب فيها بعد أن أوحت للرئيس بضرورة التخلّص منه قبل تمرير حكومته لنيل الثقة على البرلمان لأنه أصبح في نظرها ليس محل ثقة ولا بد من استبعاده..

وحسب ما تسرّب من أنباء من داخل القصر الرئاسي، فإنّ نادية عكاشة استماتت في الربع ساعة الأخيرة لإنقاذ موقفها، واستعادة المبادرة داخل القصر الرئاسي، والتموقع من جديد بالمراهنة على الانسحابات من التشكيل الحكومي في آخر لحظة ولكن الأمر كان غير ما مضت فيه..

في الحقيقة تدخلات عكاشة في المشهد الحكومي، وفي الترتيبات السياسية الجارية، وفي القرارات وفي مواقف رئيس الحكومة ومحاصرتها اللصيقة له، لم تعد خافية على أحد سواء من داخل القصر أو من خارجه، في ظل تنامي امتعاض من داخل المقربين للرئيس، بسبب أداء هذه المرأة وما اعتبروه فشلا في أداء جميع المهمات التي اضطلعت بها منذ تعيينها في القصر، وخاصة تحميلها مسؤولية الإساءة لصورة الرئيس ولشعبيته لدى الرأي العام..

وهنا لا نستطيع أن لا نطرح أكثر من نقطة استفهام حول ملكة قرطاج والدور الذي تلعبه ولمصلحة من تلعبه:

لماذا قيس سعيد تخلّى على كل مستشاريه الذين كانوا من أقرب الناس إليه في أشهر قليلة، عبد الرؤوف بالطبيب وطارق الطيب والجنرال الحامدي ونور الدين الري وعماد الحزقي وأخيرا ولا أعتقد أنه آخرا هشام المشيشي وجميع هذه الاسماء كانت معروفة بولائها التام للرئيس؟

عبد الرؤوف بالطبيب مدير الديوان انسحب وقال واجب التحفظ يمنعني من نشر غسيل القصر، والجنرال الحامدي استقال وقال أنه لا يستطيع أن يتحدّث واكتفى بالقول أنه لم يعد بمقدوره مقابلة الرئيس، ونور الدين الري وزير الخارجية تم إعفاؤه دون سبب واضح، وعماد الحزقي وزير الدفاع قام بتحية عسكرية لرئيس البرلمان حسب بعض التسريبات فقيل له إلزم بيتك..

ثم اليوم هشام المشيشي وبعد كل الأسماء التي فرضوها عليه وكان وفيا للرئيس، يقع الانقلاب عليه والتخلّي عن دعمه، والسبب وشاية من مديرة الديوان بأنه التقى مع رئيس قلب تونس سرّا و أنه وعده بتعديل وزاري؟

ثم والأهم من كل هذا، ما سرّ صمت رئيس الجمهورية، على تدخلات نادية عكاشة، ومحاولة فرض إرادتها على الشأن الحكومي؟ وما الذي يتوفر لديها من تجارب سياسية أو من كفاءات يعطيها الحق في بسط نفوذها على مشهد الحكم في تونس من قرطاج إلى القصبة؟ ومن أين تستمد قوّتها التي تجعلها تُحكم الحصار على رئيس الجمهورية حتى أن البعض يتحدث عن تحكّمها في من يقابل الرئيس ومن لا يقابله، بل وإصرارها على منع الكثيرين من مقابلة الرئيس على غرار مستشاره للأمن القومي الحامدي الذي منعته من التواصل مع الرئيس ومقابلته، ثم وزير الخارجية الري مصحوبا بالوزير المغربي اللذين جاءا للحديث حول الأزمة الليبية، ثم أخيرا – وكما جاء من تأكيد لم يفنده أحد من داخل القصر- على لسان أحد الإعلاميين أنها منعت رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي من مقابلة الرئيس لأكثر من أربعة أيام..

وما الذي يجعل وزراء ومستشارين، إلى جانب رئيس الحكومة، يذعنون لإرادة وتدخلات مديرة الديوان، التي استحوذت على مهام المستشار السياسي لدى رئيس الجمهورية، بعد أن بات صورة بلا أثر أو صدى صوت؟

ومن مهام المستشارين تقديم المعلومة الصحيحة، الدقيقة في الوقت المناسب لصاحب الصلاحية في اتخاذ القرار، وطرح الخيارات المكملة والمتاحة لصانع القرار في موضوع الاستشارة، بما في ذلك شرح أبعاد كل من تلك الخيارات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية، على المدى القصير والبعيد، والعمل على إيصال مشاعر وردود فعل المجتمع تجاه قراراته وعمله، حيث طبيعة المسؤولية تسبب أحيانا في حجب ردود الفعل الاجتماعية عن المسؤول، بعكس المستشار الذي يفترض أن يكون ذا حساسية تجاه ما يدور في المجتمع، كما يفترض أن يكون عدم اشتغاله في تنفيذ القرار مصدر حياد وثقة في نقل رد الفعل الصحيح للمسؤول التنفيذي..

إن المستشار السياسي لأي رئيس دولة أو رئيس حكومة يجب أن تتوفر فيه جملة من الخصال والميزات ومن أهمها في اعتقادنا الرصانة والحكمة والتريث والانفتاح على الجميع والتمكّن من الملفات التي يعالجها وعدم تنصيب نفسه مكان رئيسه والإدلاء بمواقف تبدو غريبة وعدم إلقاء التهم جزافا لا سيما عندما تكون البلاد في ظرف دقيق ولا تتحمل هزات سياسية جديدة من شأنها أن تزعزع أمنها واستقرارها.

فأين مستشارو رئيس الجمهورية من هذا كل اليوم؟ وهل يمكن أن نخلع عليهم هذه الصفات التي عددناه، الحكمة، الرصانة، التريث، الذكاء، الانفتاح، الاستقلالية، الموضوعية، الحياد، الوطنية، تغليب مصلحة الوطن والشعب؟ هل يقدمون النصيحة والمشورة لرئيسهم بما يخدم مصلحة البلاد والعباد؟ هل يطلعونه على حقيقة ما يجري في الداخل وفي الإقليم من حولنا؟

الأكيد أنّ أخطر ما يمكن أن يعيشه بلد هو الانقسامات الحادة المبنية على صراعات الوجود والتنافي والتطاحن الايديولوجي وزرع الفتن والنفخ في الاستقطابات، والتنظير إلى مشاريع التقسيم المجتمعي. ونخشى أن هذا ما تشتغل عليه حاكمة قرطاج مستشارة رئيس الجمهورية منذ توليها منصبها في القصر..

المستشارة المؤتمنة على طموح شعب وانتظاراته، المؤتمنة على تصويب الرئيس وتوجهاته، المؤتمنة على تقديم المشورة والنصح المؤتمنة على تقديم المعلومة الصحيحة والمعطيات الصادقة والدقيقة، المؤتمنة على مصالحنا القومية، هي ذاتها التي تسعى إلى اقصاء الآخر ودحره، هي ذاتها التي تزرع اليوم الفتن وتنفخ في الاستقطابات، هي ذاتها التي تحاول فرض أجندة غامضة، فعمدت إلى نشر الفوضى في محيط الرئيس، ما انجرّ عنه عديد الاستقالات في طاقمه وأهمها لمستشاره ومدير ديوانه المقرب منه بل والصديق الشخصي له عبد الرؤوف بالطبيب، والجنرال الحامدي مستشار الأمن القومي، ثم طالت أسماء أخرى، محاولة أن تُحكم قبضتها على قصر قرطاج في مسعى للسيطرة تماما على الرئيس..

وهي ذاتها التي تسعى اليوم إلى استغلال فقدان الرئيس إلى أي غطاء سياسي لتجعل منه مدخلا لتنفذ إليه وتتسرب إلى محيطه بقوة لتحيط به من كل حدب وصوب، على أساس أنها من عامة الشعب وممن ضاقوا ذرعا من الأحزاب وأدائهم، ملتقطة فكرة عبّر عنها الرئيس، شدد في البداية على أنه لن يخرجها عن إطار الدستور، لتعزف على وترها لتسفيه الأحزاب علهم يعودوا من بوابة الفوضى، التي ستنتج عن ضرب الحياة الحزبية في تونس والتي لا بديل عنها سوى الاستبداد والدكتاتورية والحكم الكلياني.

وربما هذا ما يفسر الكوارث الاتصالية المتكررة والأخطاء السياسية الفادحة والارتباك والغموض في دلالات القول والتناقض في المواقف ووجود ظاهر للقول وباطنا، التي لاحظناها في الفترة الأخيرة.. كما قد يسكّن ربما حيرة شريحة واسعة من التونسيين الذين راهنوا على قيس سعيد ومنحوه ثقتهم، ويتفاجؤون اليوم بخطاب مختلف ولهجة سياسية مختلفة، وكأنه ليس شخصا غير الذي عرفوا..

خلاصة القول إن أخطر ما يمكن أن يهدد استقرار بلد اليوم ويعيق مساره الديمقراطي هو أن يطوق مسؤول الدولة نفسه بفريق من المستشارين الذين لا يشيرون عليه إلا بسوء وشرّ وكيد ووقيعة، لا يشيرون عليه إلا بما يخدم تطلعاتهم الشخصية وحساباتهم الضيقة الغارقة في مستنقع الأيديولوجيا، وبما يبسط لهم إحكام قبضتهم على مفاصل الدولة وتطويعها للانقلاب على إرادة الشعب وخياراته بقوة الدولة..

ونخشى أن هذا ما يشهده قرطاج اليوم، فهل يستفيق الرئيس من سباته وغفلته ويعرف من هو عدوه ومن هو صديقه؟"