عن النهضة وخصومها.. لماذا يقعون وتنجو؟

عن النهضة وخصومها.. لماذا يقعون وتنجو؟

نور الدين الغيلوفي

قل عن النهضة ما شئت.. لك أن تعتبرها الشيطان الرجيم الذي لا نجاة منه بغير الاستعاذة منه.. ولك أن تعتبرها الداء العضال الذي لا خلاص إلّا بالتداوي منه.. ولكن لا بأس من أن تتساءل لماذا أخفق الفاعلون، جميعهم، داخل البلاد وخارجها، في اكتشاف مضادّ حيويّ يقضي على هذا الداء ويخلّص البشريّة منه؟

لم يكن لخصوم النهضة من شأن يغنيهم غيرها.. لقد جعلوا منها شأنهم الأوحد وبات الكيد لها هدفهم الأسنى وغايتهم الأسمى، كلّهم بلا استثناء.. لا تكاد تخلو مداخلة لأحدهم منها.. المنظومة القديمة بمختلف أطيافها.. وأثرياء السياسة الجدد.. وأغنياء الحرب وما قبلها.. وأبناء الطهارة وأحفاد الدنس.. كلّ هؤلاء لا يتكلّمون إلّا بذِكر النهضة.. ولا يذكرونها إلّا ضمن معجم من مفرداته: الإخوان.. الإسلام السياسيّ.. تجّار الدين.. الدواعش.. الإرهابيّون.. المنافقون.. الخوانجيّة.. الرجعيّون.. الظلاميّون.. وكلّ تلك الأسماء لا تعدو قوسا واحدة تُرمى عنها النهضة… وقد تشابه الرُّماة حتّى لا فرق بينهم…

في كلّ مرّة يضعون لها جبّا لتقع فيه ولكنّهم يقعون فيه دونها.. يغرقون وتنجو.. ويضيع الوقت في إخراجهم من جبّهم.. وفي كلّ مرّة يستأنفون السباق معها ليستأنفوا حفر الجبّ لها.. وبمثل هذا العبث يضيع زمن البلاد…

لماذا يقعون وتنجو؟
ليس لأنّ النهضة جمهور ملائكة تدعمهم السماء ولا لأنّها مجتمَعُ عباقرة… ليس شيء من ذلك.. فالنهضة باتت كيانا مترهّلا يهدّده الهرَمُ وجسما به كثير من البلادة وقليل من الفائدة.. ولكنّ السرّ في ضياع الجهد في الكيد الذي لا يصنع فعلا مجديا.. والكيد ليس من الذكاء في شيء.. بل لعلّه من نواقض الذكاء…

لقد صار الذكاء هو مدار المعركة.. وليس من الذكاء أن تكتفيَ من أمرك بالكيد لخصمك.. الذكاء يصلح لحلّ المشاكل وتجاوز العقبات.. بينما الفرقاء، في بلادنا، يشتغلون بالكيد لبعضهم.. ومبلغ ذكائهم الحيلولة دون أن “تغلب اليمن أمريكا”.. كأنّ السياسة عندهم هي الإيقاع بالخصم لا غير.. وفي الأثناء تسير البلاد إلى جحيم يوقده غباء يظنّه أصحابه من الذكاء…

الذكيّ هو الذي ينجو من هذه الأحابيل التي يرسمها الكلّ للإيقاع بالكلّ في غابة سياسيّة لا أفق فيها.. كان يمكن أن تعبرها البلاد لو أنّ الفرقاء تواضع بعضهم لبعض من أجل المصلحة العامّة.. والمصلحة العامّة ما عادت تحتمل ترف هؤلاء السياسيين المعدَمين.. ولعلّها لن تكون ما دام لهم حضور…

المشكلة أنّ هؤلاء محدودو الذكاء ولكنّهم لا يتورّعون عن المناورات.. فترتدّ عليهم مناوراتهم.. ويمضون قُدُما.. ولا يراجعون أنفسهم ولا يتراجعون.. فما ضرّ لو أنّهم عرفوا أحجامهم وانضبطوا لأقدارهم؟

قديما كانت الغلبة لنظام استأثر بكلّ القوّة واستبدّ بكلّ شيء.. حسم الأمور لصالحه ووزّع الأرزاق والصفات والقيم بحسب الولاء.. الأقرب فالأقرب…

اليوم تمارَس السياسة في العراء وبين الكواليس.. والذكاء يحسمها… لا إعلام ولا عنتريات ولا ثورجيّات ولا مقاومة فساد ولا ممانعة.. ولا كذب.. ولا استطلاعات رأي موجَّهة.. تلك باتت طرائق مكشوفة لمتسلّلين لا يحسنون اللعب وفق الضوابط والقوانين.. يسجّلون أهدافا آنيّة يضجّون لها ويسكرون بها.. ولكن سرعانما يلغيها الحَكَم.. ويعودون إلى صِفرهم مجهَدين…

حركة النهضة، رغم أدوائها الكبرى، هي الأذكى في إدارة المشهد السياسيّ.. وحدها تمارس الاحتراف ضدّ لاعبين هواة لا يتعلّمون شيئا.. ولا يتطوّرون.. غرائزيون.. يتوقّعون ولا يفهمون.. لقد سوّل ذكاء بعضهم لهم أنّ كلّ من يتحالف مع النهضة يلقى مصير النداء.. ولكن غاب عن هؤلاء “الأذكياء” أنّ ألدّ أعداء النهضة قد تبخّروا.. أين الجبهة الشعبية التي كانت تصول في البلاد وتجول؟ لم يبق شاهدا على مرورهم غير منجي الرحوي طللًا أوحدَ ادّخرته أقدار السياسة بذرة “زرّيعة” لنبات حكمت عليه قوانين الطبيعة بالانقراص لأنّه لا يحسن التكيّف ولا يقبل التطوّر…

الذين “يعوعشون”ضدّ حركة النهضة هم بين مصيرين: مصير النداء الذي اقترب فاحترق أو مصير الجبهة الشعبية التي انقطعت فتبخّرت.. أمّا النهضة العليلة فإن امتنع إصلاحُها من أدوائها المزمنة سينسل منها من يكمل مشوارها مثلما يجري في بعض البلاد حولنا… قد لا تكون النهضة عنوان مستقبل يطمح إليه الحالمون بالأفضل ولكنّ بها قدرا من الذكاء يصلح خميرة لعنقاء تضجّ من تحت الرماد تأتي بما لم يستطعه الأوائل…

لن تسير قاطرة السياسة في بلادنا ما دامت الأحزاب يكيد بعضها لبعض وترسم أفقا مظلما في ختامه نفق يقبع في آخره المتضرّرون من الثورة جعلوا محصول حصادهم في بيدر يدعى الحزب الدستوريّ الحرّ النسخة الأشدّ وضاعة للتجمّع المنحلّ بات هو سفينة إنقاذ لكلّ نطيحة…

وما أكثر النطائح في هذا البلد…