قيس سعيّد يوبّخ المشيشي.. أسلوب متعجرف لرئيس جمهورية في مواجهة قرارات خائبة لرئيس حكومة...

قيس سعيّد يوبّخ المشيشي.. أسلوب متعجرف لرئيس جمهورية في مواجهة قرارات خائبة لرئيس حكومة...

عبد اللّطيف درباله 

شاهد الفيديو أسفله: رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد يوبّخ رئيس الحكومة هشام المشيشي بسبب تعيين مستشارين كانوا من مساعدي بن علي وتتعلّق بهم شبهات وقضايا..!!

في ما يظهر أنّه ردّ واضح على الأخبار التي أكّدت تعيين هشام المشيشي مستشارين جدد هم توفيق بكّار المحافظ السابق للبنك المركزي في عهد بن علي والمنجي صفرة المستشار الاقتصادي السّابق لبن علي بقصر قرطاج.. استقبل الرئيس سعيّد اليوم رئيس الحكومة.. وأعلن بلهجة حازمة ومهدّدة معارضته تماما لتعيين مستشارين تتعلّق بهم شبهات وقضايا فساد.. وكانت وردت أسمائهم بالتحقيقات المتعلّقة بكشف ملفّات الفساد في اللّجنة الخاصّة بذلك التي ترأّسها عبد الفتّاح عمر بعد الثورة..
وقد تكلّم الرئيس سعيّد بصراحة ووضوح عن الموضوع.. وقال لرئيس الحكومة المشيشي أنّه كان شخصيّا يعمل ضمن لجنة تقصّي الحقائق عن الفساد.. ويفترض بأنّه مطّلع على الشبهات المتعلقّة بالمستشارين الجدد المعيّنين.. وأنّه ما كان له أن يسمح بذلك..!!

من المعلوم بأنّ المنجي صفرة كان طوال النصف الثاني من عهد بن علي رجل الظلّ المشرف على الاقتصاد التونسي باعتباره المستشار الاقتصادي للرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.. والمشرف في الخفاء تبعا لذلك على جميع الوزارات ذات الاختصاص..
وكان أيضا مهندس تمكين العائلة الحاكمة بجميع شقوقها.. ابتداء من عائلة الرئيس نفسه “بن علي” وعائلة زوجته “الطرابلسي” وانتهاء بأصهاره أي أزواج بناته وأزواج وزوجات بعض أقربائهما.. تمكينهم من السيطرة على الاقتصاد الوطني ووضع اليد على أهمّ القطاعات الاستراتيجيّة والمربحة..!!
وكانت حتّى الصفقات العموميّة الكبرى والمجزية يقع الإشراف عليها من القصر بمعرفة صفرة وبتعليمات الرئيس.. لتوزّع على المستفيدين منها من المقرّبين.. في ضرب لكلّ المنظومات القانونيّة والأخلاقيّة وللشفافيّة والنزاهة والمساواة بين الفاعلين الاقتصاديّين في البلاد..!!!

وفي مهمّة تدقيق وتشخيص لواقع ومشاكل الوضع الاقتصادي في تونس كانت قد جرت بعد الثورة وسقوط نظام بن علي.. أعلن البنك الدولي أنّ ربع الاقتصاد التونسي كان تحت سيطرة العائلة الحاكمة تماما..!!
أمّا توفيق بكّار فقد كان محافظ البنك المركزي طوال الفترة الأخيرة من عهد بن عليّ أيضا.. وقد ساهم بدوره في تمكين العائلة الحاكمة من التغلغل في المنظومة الماليّة التونسيّة.. وسمح بالكثير من التجاوزات.. وشهدت فترته بداية توغّل ودخول أفراد من عائلة بن علي للقطاع البنكي.. حيث سيطر بلحسن الطرابلسي على بنك تونس (BT).. وسيطر مروان المبروك على بنك تونس العربي الدولي (BIAT).. وسيطر صخر الماطري على التجاري بنك (TB) قبل أن يؤسّس بنك الزيتونة الإسلامي.. هذا دون ذكر الملفّات الحارقة الأخرى..
وقد تضمّن التقرير النهائي للجنة تقصي الحقائق الكثير من الحقائق والملفّات التي ذُكرت فيها أسماء الرجلين الذين قيل بأنّ رئيس الحكومة المشيشي عيّنهما..
وكانت أخبار متداولة قد أفادت بتعيين كلّ من توفيق بكّار والمنجي صفرة مستشارين جديدين لدى رئيس الحكومة هشام المشيشي.. وهو الخبر الذي لم تعلن عنه رئاسة الحكومة رسميّا حتّى الآن.. كما لم تؤكّد ولم تنف في ذات الوقت صحّة تلك الأخبار.. بما يحمل على كونها صحيحة غالبا..!!

إذا ما صحّ تعيين المشيشي للمنجي صفرة وتوفيق بكّار.. فهو بلا شكّ تعيين ليس سيّئا فقط وإنّما ساذجا ويفتقد للذوق السياسي السليم أيضا..!!
فالرجلين كانا من أركان منظومة بن علي خاصّة الاقتصاديّة منها التي كرّست الفساد وقنّنته بطريقة حاولت إضفاء المشروعيّة عليها.. وبفضلها تمّ تحويل أفراد من عائلة الرئيس وزوجته المقرّبة والموسّعة إلى بارونات ماليّة بتونس..!!
كما أنّ الخبرة المزعومة للرجلين لم تستطع أن تحقّق أيّ طفرة اقتصاديّة أو ماليّة في تونس.. ولا حقّقت إنجازات قلّلت نسب البطالة والفقر أو زادت نسبة النموّ أو طوّرت البلاد أو صنعت معجزة اقتصادية ولو نسبيّا..
بل أنّ بلدانا إفريقيّة وعربيّة كانت أكثر فقرا وتخلّفا ونقصا في الموارد من تونس.. استطاعت أن تحقّق نموّا وتحوّلا اقتصاديا كبيرا في نفس الفترة..

وهو ما يؤكّد بأنّ المنظومة الاقتصاديّة والماليّة في تونس كانت فاشلة وعاجزة.. وأنّ الفاعلين فيها مثل المنجي صفرة وتوفيق بكّار وغيرهما كانوا بدورهم عاجزين وفاشلين وخائبين.. ولم يكونوا ناجحين إلاّ في تسهيل استيلاء عائلة بن علي على اقتصاد البلاد والقطاعات الحيويّة بها وتحويلها إلى منجم ذهب لحسابهم الخاصّ..!!
وبالتالي فإنّ ما قاله الرئيس قيس سعيّد يبدو صحيحا إلى أقصى حدّ.. حيث أكّد بدوره على خيبة وفشل هؤلاء.. وإلى زيف الاستناد على خبرتهم في إدارة دواليب الدولة لتبرير إعادة تعيينهم مستشارين.. ورجوعهم إلى السلطة والنفوذ من جديد.. رغم تعلّق عدّة شبهات وتجاوزات وقضايا وأحكام بهم.. والحال بأنّهم أضرّوا بالدولة وساهموا في نهبها وإنهاكها وكانوا عرّابين للفساد فيها..!!

أسلوب متعجرف

غير أنّه ومع صحّة وسلامة وإيجابيّة موقف رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد في الخصوص.. فإنّ ذلك لا يمنع من التذكير مرّة أخرى بأنّ ما فعله هو تجاوز لصلاحيّاته الدستوريّة.. وأنّ استناده إلى دور سياسي ممكن يسمح له بنصح رئيس الحكومة ومعارضة بعض توجّهاته وتعييناته بناء على المصلحة العليا للبلاد.. كان يفترض معه أن يكون ذلك بطريقة مقبولة وبغير السياق الحادّ و”الشرس” الذي وردت به اليوم..!!
فقد تعامل رئيس الدولة مع رئيس الحكومة وكأنّه وزير أوّل يخضع لسلطته.. ومن حقّه ليس فقط توجيهه ولومه وتأنيبه.. ودعوته لتغيير وإصلاح بعض قراراته.. وإنّما أيضا توبيخه بشكل “فاضح” ومهين أمام الكاميرا والرأي العام..
في حين أنّ سلطة رئيس الحكومة تفوق أصلا سلطة رئيس الجمهوريّة حسب الدستور.. وأنّ السياسة الداخليّة برمّتها هي من صميم اختصاصه ولا سلطان للرئيس سعيّد عليه في ذلك بتاتا..!!
وقد لوّح قيس سعيّد بأنّه قد يضطرّ لاتّخاذ قرارات في مواجهة ذلك.. دون أن يوضّح ماهيّة تلك القرارات.. وخاصّة سندها ومرجعيّتها القانونيّة والدستوريّة..!!!؟؟
إنّ تصرّف قيس سعيّد بتلك العنجهيّة وإصراره أن يكون ذلك أمام الكاميرا وأن ينشر المقطع للعموم.. قد يسجّل له نقاطا سياسيّة على حساب المشيشي.. لكنّه قد يساهم أيضا في تصاعد الخلاف السياسي بينهما بشكل حادّ يؤثّر على إدارة الدولة وعلى مصالحها.. خاصّة في ظلّ حالة الشحن والصراع السياسي القائم بطبيعته اليوم..!!

لكنّ السؤال هو هل أنّ هذا الأسلوب المتعجرف لرئيس الجمهوريّة في مواجهة القرارات الخائبة والسيّئة لرئيس الحكومة.. كان مجرّد تواصل لأخطاء الرئيس سعيّد شكلا ومضمونا في ممارسة صلاحيّاته الرئاسيّة.. واعتماده أسلوب عدوانيّ في تصريف الأمور..؟؟!!
أم كان مقصودا كجزء من الحرب السياسيّة التي قد يكون سعيّد قرّر خوضها ضدّ المشيشي الذي تمرّد عليه.. بغرض إحراجه وإرباكه وإضعافه شعبيّا..؟؟!!

يلاحظ بأنّ الموقع الرسمي لرئاسة الحكومة لم يدرج حتّى نشر هذا المقال أيّ خبر يتعلّق بمقابلة رئيس الحكومة اليوم لرئيس الجمهوريّة قيس سعيّد رغم مرور بضع ساعات عليها.. في ما قد يعدّ مؤشّرا لحالة غضب وشعور بالإحراج من تلك المقابلة التي كانت مهينة سياسيّا.. بما يفتح الباب لتطوّرات سلبيّة أخرى في العلاقة بين رئيسي الجمهوريّة والحكومة.. قد تكون قادمة قريبا..!!!