صوتٌ يعْلُو في التيار.. فلْنُمسك السقف بسواعدنا عاليا كي يستمرّ الفرز ..بقلم زهير اسماعيل

صوتٌ يعْلُو في التيار.. فلْنُمسك السقف بسواعدنا عاليا كي يستمرّ الفرز ..بقلم زهير اسماعيل

في مقابلة صحفيّة في "ميدي شو" مع أمين عام التيار الديمقراطي، رسم غازي الشواشي الملامح العامة لتوجهات حزبه في هذه المرحلة المثيرة من تجربة الانتقال الديمقراطي. ويمكن تلخيصها في:

1 - الخروج الواضح من شرنقة "نفوذ العائلة" في حزب التيار. وقد كان الأكثر اتهاما من بين الأحزاب بالتهمة "العائلية".

وذلك في ظلّ قيادة محمد عبو المؤسس. وكان هذا جليّا حتّى عندما "أعاد الانتشار"، وترك الأمانة العامّة لغازي الشواشي، قبل أن يستعيدها تمهيدا لخوض الانتخابات الرئاسيّة في 2019.

وهي تهمة طالت النداء في عهد السبسي، وتطول النهضة اليوم.

2 - رفض الدعوات إلى الفوضى والخروج إلى الشارع بلا ضوابط في التعامل مع المطالب الاجتماعية المشروعة. والتأكيد على أنّ رئيس الجمهوريّة ليس مطلق اليد وإنّما هو ملزم في الحوار المنتظر بالدستور والقانون والمسار الديمقراطي ومصلحة البلاد للخروج من الأزمة المركّبة وغير المسبوقة التي تعرفها البلاد. وأنّ دوره وطبيعة مؤسسة الرئاسة تُرشِّحَانه لكي يلتقي عندها الجميع.

3 - مرجعية الديمقراطيّة ومسارها في خطاب غازي الشواشي أمين عام التيار تمثّل تدقيقا مهمّا في مرحلة كان فيها لقاءٌ للحزب مع الشعبوية التي لم تتردد في خرق الدستور. مثلما كان له تقاطع مع الفاشية (في البرلمان) المجاهرة بعدائها لهذه المؤسسة الأصليّة لمسار بناء الديمقراطية، وتمجّد نظام الاستبداد الآفل وتعمل على استعادته.

كلام أمين عام التيار اليوم يعتبر خطوة على طريق رسم الحدود مع مكوني الشعبوية والفاشية على طريق تأسيس ديمقراطيّة الحزب وعلاقته بالقوى الديمقراطية ودوره السياسي.

وهي الحدود التي لم تتوضّح مع الأمين العام المؤسس.

4 - من هذا المنطلق كان غازي الشواشي:

واضحا في ضبط الأطراف المعنية بالحوار الاقتصادي الاجتماعي السياسي الذي دعا إليه الحزب، وهي كل الجهات السياسيّة المنتخبة من قبل الشعب، والمنظمات الممثلة ديمقراطيّا لقطاعاتها وجمهورها.

وقاطعاً في اعتبار مواقف محمد عبو ومحمد عمّار رئيس الكتلة الديمقراطيّة الداعية إلى تولي رئيس الجمهوريّة زمام الأمور خارج إطار الدستور والقانون والاختيار الشعبي الحر، مواقف شخصيّة منافية للديمقراطية وغير مقبولة ولا تمثّل موقف الحزب.

وسيكون لهذا الموقف الجديد أثر على الكتلة الديمقراطية وعلى العلاقة بين مكوّنيْها التيار والشعب.

مثل هذه التصريحات تمثّل، قياسا إلى السائد، توجها جديدا للحزب، في ظل مشهد متغيراته أكثر من ثوابته. وقد يرى بعضهم في هذا تبادل أدوار. وأيّا كان حقيقة الموقف ومرجعية التقدير الذي عبّر عنه أمين عام التيار فإنّ التأكيد على مرجعيّة الدستور والقانون والديمقراطيّة ومسارها والشرعية الانتخابية ونتائجها السياسيّة ودورها جميعا في ترتيب المشهد السياسي وتفاعلاته المرحلية (الدعوة إلى الحوار) قد يكون خطوة في وجهة سياسية حاد عنها التيار بعد انتخابات 2019 خاصّة.

ويبدو أنّ "مرجعيّة الديمقراطيّة ومسارها" في خط الحزب السياسي وتحالفاته ستكون من أهمّ ما سيشغل مكونات التيار وحساسياته في هذه المرحلة..وقد ترسم ملامح الحزب الجديدة. ومرجعيّة الديمقراطيّة في العلاقة بالمشهد السياسي شبيه بآثاره السياسيّة بـمشغل "الديمقراطيّة الداخلية" وجدل الزعامة والرئاسة على خلفيّة الفصل 31 من نظام حركة النهضة الداخلي.

5 - خطاب رئيس الجمهوريّة الذي لم يغادره الأشباح والمتآمرون على الدولة في الداخل والخارج، وطريقة مخاطبته به رئيس الحكومة فيما يشبه المواجهة غير المبرّرة ولا اللائقة (شكلا ومضمونا) في مثل هذا المقام ، لا يمكن إلاّ أن ينبّها كل من هو على صلة بالديمقراطيّة ثقافةً ومسارًا إلى الرجوع عن المراهنة على رئيس الجمهوريّة حتّى وإن رأى فيه سندا لمواجهة خصومه من القوى الديمقراطيّة لهذا السبب أو ذاك.

للديمقراطيّة عقلها وأثرهُ التدريجي على المنتسبين إليها في إدراك شروط بناء بنائها وتبيّن القوى المستهدفة لمسارها...

مادام سقف الحريّة عاليا فلا قدرة لخصوم الديمقراطيّة والاختيار الشعبي الحر تجنّب الفرز الحقيقي تحت دعاوى الإنقاذ والوطنيّة...

فلْنُمسك السقف بسواعدنا عاليا كي يستمرّ الفرز الحقيقي حتّى يبلغ غاياته.