د.رفيق عبد السلام : السيد ماكرونً هو رئيس جمهورية فرنسا وليس مجرد مثقف متحذلق وعليه تخير مصطلحاته وضبط خطابه

د.رفيق عبد السلام : السيد ماكرونً هو رئيس جمهورية فرنسا وليس مجرد مثقف متحذلق وعليه تخير مصطلحاته وضبط خطابه

بقلم دكتور رفيق عبد السلام : (وزير خارجية تونس الأسبق)

في دوامة السجال الذي يجري في فرنسا ومختلف الساحات العالمية حول رسوم الكاريكاتور لشخص الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وما تبع ذلك من أحداث دامية ومرعبة ، من المهم أن نسوق الأسئلة والملاحظات التالية:

هل تريد فرنسا بناء علاقات تواصل ثقافي وإقامة تعاون متوازن مع جيرانها العرب والمسلمين وما يفرضه ذلك من مد جسور الاحترام والاعتراف المتبادل، أم هي ترغب في إقامة مزيد من الحواجز والعوازل مع الشعوب العرببة والاسلامية، وتهييج المشاعر ونكئ الجراح الاستعمارية التي مازالت حاضرة أصلا في الذاكرة الجماعية للشعوب العرببة والإسلامية ؟

على فرنسا أن تسائل نفسها وضميرها: لماذا لا نرى هذا القدر من التوتر والهوس الجنوني بالإسلام والمسلمين لدى جيرانها الانجليز والالمان والبلجيك مثلا؟ لماذا لا نرى هذا الحجم من الشحن المتبادل في بلدان أوروبية أخرى؟ ألا يدل ذلك على وجود خلل كبير في تعامل الجمهورية مع الاسلام ومع مواطنيها المسلمين؟

نعم حرية الرأي والتعبير قيمة مقدسة، ولكن احترام الآخرين وتجنب الاساءة إليهم وجرح مشاعرهم لا يقل قدسية.

على فرنسا أن تدرك أنها مجتمع تعددي وقد بات المسلمون يشكلون اليوم جزءا مكينا من تكوينها وهويتها وعليها أن توطن نفسها مع هذا المعطى "الجديد"، مثلما وطن المغاربة أنفسهم مع الثقافة الفرنسية. كما عليها أن تدرك أن العرب ليسوا مجرد مهاجرين ويد عاملة ضعيفة ورخيصة، بل هم أيضا أسواق ونفط وأموال ومصالح كبرى ، والأهم من كل ذلك أنهم بشر لديهم تطلع للحرية والكرامة والحكم العادل مثل أقرانهم الفرنسيين والأوروبيين وغيرهم.

يجب أن يعلم الجميع أنه في عصرنا الراهن، وخصوصا مع انتشار تقنيات التواصل الاجتماعي والرقمي ما عاد من الممكن تقسيم العالم الى جزر معزولة أو خنادق متقابلة. فما يجري في فرنسا له صدى في المجال الاسلامي الواسع وامتدادات في مختلف مناطق العالم، ولذلك فإن المسؤولية الاخلاقية والسياسية تفرض النأي عن سياسة التخويف وتهييج المشاعر وإثارة النعرات والانفعالات لأن كلفة ذلك ستكون ثقيلة وموجعة للجميع .

السيد ماكرونً هو رئيس جمهورية فرنسا في نهاية المطاف وليس مجرد مثقف متحذلق، أو كاتب متفلسف يعبر عن تأملات فردية حرة ، ومن ثم عليه تخير مصطلحاته وضبط خطابه..

نعم التعصب وضيق الأفق أمران سيئان وكريهان سواء كان ذلك باسم الدين أو باسم العلمانية، كما أن التسامح وسعة الأفق ورحابة والصدر قيمة نبيلة، سواء كانت باسم الدين أو العلمانية، وقديما قالت العرب الإنسان عدو ما بجهل. فكلما ازداد مقدار جهلنا ببعضنا البعض، كلما ارتفع منسوب التعصب وعَمَى البصيرة.

في الأخير أقول؛ هناك ما يستحق أن نصغي إليه ونتعلمه من رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، حين قال ان العنف والقتل لا عنوان لهما.