النهضة وحكومة الفخفاخ ...معركة الوجود السياسية لم تكتمل ..

النهضة وحكومة الفخفاخ ...معركة الوجود السياسية لم تكتمل ..

⁦✍️⁩الحبيب بوعجيلة

مفاوضات حكومة السيد الياس الفخفاخ لم اتابعها من موقع الفاعل او المؤثر و لكن الساحة السياسية التونسية و كواليسها اصبحت اليوم في متناول المتابعين الذين يوجدون في قلبها او على تخومها . لهذا السبب ازعم اني يمكن ان اكون لنفسي رأيا و قراءة لهذه الازمة الاخيرة التي اندلعت بين النهضة و رئيس الحكومة المكلف .

مطالبة النهضة بموقع مركزي في الحكومة و في شؤون تشكيلها و ابداء الرأي في كل الوزراء المرشحين و حرصها على نصيب يناسب حجمها الانتخابي اضافة الى حرصها على تشريك قلب تونس ..كل ذلك نابع من قراءة نهضاوية لمشهد سياسي مازال فيه صراع الوجود و التنافي و موقع " الاسلاميين " و غلبة منطق " الاستئصال " مقومات اساسية مفسدة للثقة و مربكة لمسار الانتقال الديمقراطي .

الحقيقة ان تجربة السنوات التسعة من عمر " الثورة " لا تكف عن التأكيد بأن نفس " اللوجيسيال " الذي حكم " العقل السياسي " التونسي في ما قبل الثورة هو الذي يواصل حكم هذا العقل بعدها : الموقف من النهصة و الاستعداد الدائم لتحالف الجميع مع الجميع في مواجهتها كلما كان هناك احساس بأن القدرة على الحضور في المشهد انتخابيا تتطلب " تحجيم الاسلاميين " .

تدرك النهضة باستمرار ان غلبة هذا " اللوجيسيال " على عقل اغلب الفاعلين يفرض عليها باستمرار " الحذر الدائم " كي لا تسمح بأن يجتمع " الجميع " في مواجهتها .

يجب ان نعترف بحقيقة ان العنوان الرئيسي للاستبداد كان باستمرار في العقود الاربعة الاخيرة من عمر الدولة الوطنية التونسية و حتى العربية هو " استهداف الاسلاميين " و يجب ان نقر بأن كل تحالف بين " النخبة المسماة حداثية " و " الدولة " كان الاسلاميون دوما ضحيته .

القوى الديمقراطية الحقيقية التي ادركت هذه المعادلة لم تتمكن من فرض الحرية و مقارعة الاستبداد الا حين جعلت " الحرية للاسلاميين " شرطا للديمقراطية الحقيقية و المضمونة .في المقابل نستطيع بسهولة اكتشاف " العرق الاستبدادي " في " العقل المزعوم ديمقراطيا " بمجرد ملاحظة " ادمانه " على " معاداة الاسلاميين " .

مما تقدم قدرنا باستمرار ان الموقف من " النهضة " و طريقة التعاطي معها بعد الثورة هي " معيار " ضمان او تهديد " الانتقال " و " الثورة " . لهذه الاسباب نعتبر ان عبير موسي هي " التعبير الاوضح " على اللوجيسيال المذكور اعلاه بحيث تكون كل الخطابات السياسية و الاعلامية الاخرى مجرد تنويع على خطاب عبير : معاداة النهضة = معاداة الحرية = معاداة الثورة .

ضمن هذا " الصراع الوجودي " الذي يحكم المشهد تتصرف النهضة و تجد في كثير من الاحيان مبررات لتصرفها في طريقة تعاطي الخصوم مع لحظات التفاوض الكبرى التي شهدها المسار .

تتوجس النهضة من المرونة التي ابداها التيار و الشعب مع تشكيل حكومة الفخفاخ مقارنة بتصلبهما في مفاوضات الحكومة السابقة و تتوجس من التساهل الذي ابداه المكلف معهما في ما منحهما و تتوجس من نوعية الاسماء المستقلة التي تم اختيارها فتهرع الى ضرورة فرض شروطها و حجمها و الى " الالتصاق " بقلب تونس الذي لا يبدي موقفا رافضا له اي طرف حزبي معادي للنهضة ما يجعلها تسبقهم جميعا في الدفاع عليه تجنبا لكل تحالف في مواجهتها في اطار عقل سياسي ليس هذا " اللوجيسيال " غريبا عنه .

اعرف اني كالعادة بهذه المواقف اجازف بالخسارة الذاتية الدائمة و الاكثار من خصومي في مشهد سياسي و اعلامي و ثقافي و منظماتي يسيطر عليه " لوجيسيال " معاداة النهضة و يضيق بكل محاولة للتحليل الموضوعي . و لكني اتصور ان بناء ديمقراطية مستقرة و حرية مصمونة يقتضي فضح العقل السياسي الذي سيطر على البلاد العربية منذ نشأة " النظام الرسمي العربي " بما هو نظام " استئصالي " بنخبة وظيفية محمولة خطأ على " المعارضة " و " الديمقراطية " و " الحداثة " .

بناء على كل ما سبق اقدر والله اعلم ان اخطاء حقيقية شهدها منهج التفاوض حكمها هذا العقل في تشكيل حكومة الفخفاخ كان بالامكان تجاوزها و تجنب ازمة الساعات الاخيرة التي ستلقي بثقلها على كل عهدة هذه الحكومة حتى لو مرت .