المغرب ينظّم السلوك النقابي وينافس كبرى دول العالم في تصدير السيارات.. وتونس متى؟

المغرب ينظّم السلوك النقابي وينافس كبرى دول العالم في تصدير السيارات.. وتونس متى؟

نصر الدين السويلمي

يشغّل قطاع السيارات في المغرب نحو 150 ألف عامل، ويجني المغرب سنويّا من صادرات السيارات ما يناهز 7 مليار دولار، فيما تعود 27% من صادرات المغرب إلى قطاع السيّارات. ورسم المغرب خطّة تقضي برفع صادراته من السيّارات سنة 2020 إلى 11 مليار دولار لكن جائحة كورونا حالت دون ذلك، فيما يتوقّع الخبراء إحداث قفزة نوعيّة سنة 2021 خاصّة بعد أن وقّع المغرب يوم 12 جانفي من السنة الجارية اتفاقيّة لإقامة 4 مصانع جديدة مختصّة في قطاع السيّارات.

قبل سنوات كانت بعض مصانع السيارات والكثير من المصانع المنتجة لقطع غيار السيّارات تبحث إمكانيّة الاستثمار في تونس، ثمّ تخلّى نحو 90% منهم عن مسودّة مشاريعهم بعد أن جوبهوا بواقع أسود! ومن ثمّ اتجهوا إلى المغرب وبعض الدول الأفريقيّة.
 
وفي دراسة أعدّتها الوكالة المغربيّة لتنمية الاستثمارات، وشملت وجهة الاستثمار وشروطه، تبيّن أنّ المحفّز الأوّل لراس المال الأجنبي هو جديّة اليد العاملة وضمان تواصل الإنتاج، ثمّ غياب البيروقراطيّة ومن ثمّ فاعليّة النظام البنكي والمعاملات الماليّة، قام المغرب بخطوات عملاقة في تخطّي مشكلة البيروقراطيّة كما قام بإصلاحات هيكليّة شاملة على النظام البنكي، وسنّ قوانين تصل إلى تجريم تعطيل الإنتاج بطرق متعمّدة أو خدمة لأجندات مشبوهة، بل وجرّم الإضرابات العشوائيّة، وأقرّ فقط الإضرابات الرمزيّة التي تضغط لتبليغ الفكرة ولا تعرّض الاقتصاد إلى انزلاقات أو تسهم في تنفير الاستثمار.
 
ورغم أنّ النقابات في المغرب لم تعتمد الإضرابات المدمّرة إلّا أنّ المشرّع بصدد قانون جديد سيعرض على البرلمان، تنصّ مادته الخامسة على أنّ ” كل دعوة إلى الإضراب خلافا لأحكام هذا القانون التنظيمي تعتبر باطلة، كما يعتبر كل إضراب لأهداف سياسية ممنوعا”، والمنع هنا يعني تبعات قانونيّة لمن يتجرأ ويغامر بالدفع نحو إضرابات مسيّسة، ولعلّ المشرّع المغربي اطلع على الجرائم الفظيعة التي ترتكبها النقابة في تونس وعلى عمليّة التسييس التي تحوّلت إلى كارثة تهدد البلاد بالإفلاس والفوضى معا، فأراد أن يقطع الطريق عن انتقال هذا الداء من تونس إلى المغرب.

ولأنّ المشرّع المغربي يفرق بين شغل النقابات وشغل العصابات، فقد جاء في الفقرة 13 من القانون الجديد، “يُمنع على المضربين عرقلة حرية العمل خلال مدة سريان الإضراب أو احتلال أماكن العمل أو مداخلها أو الطرق المؤدية إليها”. وكأنّها فقرة تحاكي الوضع في تونس، أين تستعمل النقابات ميليشياتها لمنع المرضى الوافدين إلى المستشفيات الكبرى من مناطق بعيدة قد تتجاوز 200 و 300 كم، تمنعهم من دخول المستشفيات، وما يعني ذلك من خسائر ومعاناة.
 
كما ينصّ مشروع القانون الجديد على “أن العمال المشاركين في الإضراب، وفي حال حدوث توقف مؤقت عن العمل خلال الإضراب، لا يمكنهم الاستفادة من الأجر عن مدة إضرابهم”. وتبقى هذه الخطوة أكثر الإجراءات نجاعة، حيث تقطع مع الطمع لأنّ الكثير ممّن يضربون يبحثون فقط عن جراية مجانيّة، وخطوة كهذه ستكون كفيلة بإرساء عمليّة فرز واضحة بين المناضل النقابي الذي على استعداد لخسارة نصف مرتبه مقابل هدف مطلبي شريف، وبين جماعات “الركشة المجانيّة”.

ولقطع الطريق أمام السمسرة النقابيّة، جاء في المادة 23 من نصّ المشروع ” وبعد إنهاء الإضراب أو إلغائه باتفاق بين الأطراف المعنية، يُمنع اتخاذ قرار إضراب جديد دفاعا عن المطالب نفسها، إلا بعد مرور سنة على الأقل.”، قوانين تسابق الزمن وتتجاوز عن فكرة الركون إلى الثروات الباطنيّة والدخول في منافسة جديّة من أجل جلب الثروات، فعلها المغرب وفي ظرف سنوات قليلة تجاوزت عائدات تصدير السيّارات عائدات الفوسفات!!! وتلك قفزة رهيبة، خاصّة إذا علمنا أنّ المغرب يملك 70% من احتياطي الفوسفات في العالم، تحلّ الصين ثانية بــ 5%، وحتى نقف على مفاتن السوق المغربيّة وقدرتها على إغراء بل إغواء الاستثمار الأجنبي يكفي القول أنّ صادرات قطاع السيّارات بلغت 7 مليار دولار فيما وصلت صادرات الفوسفات في نفس البلد إلى 5 مليار دولار، هكذا يصنع المغرب من اللاشيء مداخيل عملاقة تفوق مداخيل ثرواته الباطنيّة. هكذا يفرّ الاستثمار من طاعون الإضرابات وجائحة “أقوى قوّة في البلاد” إلى موطن العمل والعرق والإنتاج.
 
يدرك المغرب أنّ طاعون الإضرابات خاصّة المسيّس والمثخن بالأجندات لا يمكن معه بعث حالة استثمار جادّة وقادرة على المنافسة، لذلك يسعى إلى سنّ قوانين توفّر للنقابات فرصة الإسهام في الجهد الوطني وتمنعها من التحوّل إلى معاول هدم، ورغم أنّ نقاباته في مجملها تصارع من أجل مصلحة العمّال وليس كنقابة تونس التي تقوم على مصالح أحزاب وعائلات فكريّة سياسيّة فاشلة خذلتها صناديق الاقتراع فالتجأت إلى الإتحاد تستعمله كرافعة سياسيّة وبطريقة ترتقي إلى درجة الجريمة في حقّ الاقتصاد والاستثمار وتشوّش وتشوّه وتعفّن المشهد السياسي من خلال عمليّات خلط عجيبة تحوّل بموجبها الكيان النقابي إلى مظلّة حزبيّة ترغب في ممارسة الحكم دون أن يتنظم ويتقدّم ويفوز!