“اللّطخة الغنّوشية”

“اللّطخة الغنّوشية”

منذر بوهدي

مثّل سقوط حكومة الحبيب الجملي على اثر انحسار التصويت لها في البرلمان في كتلتي النهضة وائتلاف الكرامة منعرجا في مزاج ومناخ الفعل والصراع السياسيين داخل حركة النهضة بالأساس،

استشعر الجميع صقورا وحماما، طعم مرارة الهزيمة والإهانة أمام الرأي العام السياسي، وظهر شبح العزلة الممكن فرضه عليها، خاصة بعد تلويح كتلة الدستوري الحر بسحب الثقة من رئيس الحركة والبرلمان السيد راشد الغنوشي.

كان الهدف عزل حركة النهضة فيما يتعلق بانتزاعها من الحكم وتقليص نفوذها إلى أقصى قدر ممكن يتم على أنقاضه صناعة مشهد سياسي تكون فيه الحركة أقلية فاقدة لكل قدرة على الفعل.

تراكمت الهواجس وتعمق التوتر في اروقة مؤسسات كل من حركة النهضة وانتقلت إلى قلب تونس، بعد أن تم دفع الرئيس قيس سعيد الى تكليف الياس الفخفاخ بتشكيل ما عرف “بحكومة الرئيس” بايعاز من حركة الشعب وحزب التيار الديمقراطي اساسا اعتمادا على اللاءات الحمراء ضد مرشحي قلب تونس وحركة النهضة.

انطلقت مسيرة حكومة الفخفاخ وحزامها السياسي في العراء وفوق ألغام المؤامرات والمناورات والحرب الباردة بين الغنوشي وقيس سعيد حول مقاليد القصبة خصوصا والتي استحضر لها الغنوشي خبرته النضالية والسياسية لتلقين الجميع درسا لا ينسى.

ورغم أن خيارات الفخفاخ ومن وراءه قيس سعيد حول الحزام السياسي للحكومة التي أراد تشكيلها مع كامل الطيف السياسي مستثنيا حزبي قلب تونس والدستوري الحر، وان استجابت لنبض الشارع وصدى المشهد الانتخابي، فإن إعلان ذلك منذ الانطلاق دون تأمين تام لهذا الحزام جعلت ظهره دون حماية كافية فطُعن في أول منعطف.

بدا واضحا أن الفخفاخ والتيار وتحيا تونس وقيس سعيد مثلوا سيفا مسلطا على رقبة رئيس حزب “قلب تونس” نبيل القروي باعتباره لقمة جاهزة لمقولات محاربة الفساد ومكافحة جرائم الدولة والخيانة العظمى وغيرها مما تم التصريح به مما عقّد صفو المفاوضات..

فشرع الغنوشي في مناوراته باشتراط توسيع الحزام السياسي الداعم للحكومة ليشمل قلب تونس في المفاوضات في البداية، ثم انتهت اللطخة الغنّوشية للفخفاخ عندما صرح بوضوح انه لن تمر اَي حكومة دون مشاركة قلب تونس فيها، اتبعها بفرض لقاء في بيته مع نبيل القروي فاسرع الفخفاخ الى لملمة الشتات عندما أيقن أن حكومته لن تمر ولكنه استنفذ من رصيد مصداقيته وثقة الشعب فيه الكثير..

ويتواصل انحدار الفخفاخ وتراجع منسوب الثقة فيه باستمرار، بعدما ظهر الفخفاخ في حوار مع القروي وأعضاء من قلب تونس في دار الضيافة بعد أن كان رفض رفضا مطلقا في بداية المسار التشاور معه.

تتفاقم وتتعقد اوضاع الفخفاخ مع وصول مرحلة الحقائب الوزارية وتلقي لاءات جديدة واختلافات جوهرية بين الأحزاب حول تحييد وزارات السيادة من جهة وطبيعة الحكومة من حيث مكوناتها من جهة أخرى. فبين حكومة سياسية متكونة من رموز الصف الأول من الأحزاب المشكلة لها الى حكومة مزيج بين سياسيين ومستقلين تبدو التباينات شاسعة وتذليلها يتطلب وقتا لم يعد متوفرا بما يكفي. تنضاف الى ذلك الصراعات الحاصلة حول معايير الحسم بين مختلف المرشحين وبين الأحزاب فتطبيقة الجملي لا يملك الفخفاخ افضل منها خاصة بعدما لوح التيار بإمكانية عدم المشاركة في صورة تواصل مسألة تحييد وزارات السيادة.. تتجه الاوضاع الى مزيد التعقيد عندما يؤكد ائتلاف الكرامة انه لن يشارك في حكومة تضم تحيا تونس وقلب تونس..

ربما يتوصّل الفخفاخ الى تكوين حكومة ولو بصعوبة كبيرة وتشكيل فريق بالضرورة سيكون غير متجانس وقابل للانفجار في كل لحظة، وربما سيتم منح الثقة لهذه الحكومة التي ستكون تحت الضغط المستمر من الخلف والأمام، ستكون حكومة الفخفاخ إن كتب لها الوجود في مواجهة حجم مهول من مشاكل الشعب التونسي المتراكمة من صعوبات اقتصادية (صعوبات أمنية وتفشي الجريمة وغلاء المعيشة وتراجع الخدمات من تعليم ونقل وصحة) والتوترات الاجتماعية المتراكمة (الاتفاقيات الممضاة مع الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة) والبطالة والجهات الداخلية المهمشة منذ الثورة والتي تعاظمت مطالبها وتعمق فقرها، ستواجه أيضا حزامها السياسي المتأرجح القابل للانفلات في كل لحظة، والذي ربما سينهار بتتابع الأزمات والانشقاقات والاختلافات في التوجهات والخيارات، خاصة أن الفخفاخ لن يتحمل المسؤولية السياسية فقد عوض نفسه على الناخب التونسي وتحصل على صفر فاصل، في حين ستدفع كل الأحزاب المشاركة ثمنا سياسيا لتعثر حكومة الفخفاخ في الملفات الحارقة الكثيرة..

لا شك ايضا ان سيناريو إعادة الانتخابات وارد، ووفق استطلاعات الرأي فإن كل من حركة النهضة وقلب تونس سيكونان الكتلتين الأساسيتين في المشهد الجديد..

في كل الحالات لا أفق لانفراج قريب للازمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ولا مفر من التفكير في إنقاذ تونس قبل الأحزاب والأشخاص وفق مسار مختلف عما تنتهجه الطبقة السياسية الحالية. حكومة إنقاذ وطني لتونس يرأسها شخصية وطنية متفق عليها، مهمتها الإعداد للانتخابات السابقة لأوانها بعد مراجعة القانون الانتخابي وإقرار العتبة وكل ما يمكّن من إفراز أغلبية يمكن أن تشكل حكومتها وتتحمل مسؤوليتها كامل العهدة الانتخابية..