أبو يعرب المرزوقي : إهداء كتابي 'محاولة في تطوير نظرية ابن خلدون ' لروح المناضلة حليمة معالج

أبو يعرب المرزوقي : إهداء كتابي 'محاولة في تطوير نظرية ابن خلدون ' لروح المناضلة حليمة معالج

محاولة في تطوير نظرية ابن خلدون

اهداء

للاخت الفاضلة

المرحومة حليمة معالج

علمت هذا الصباح بوفاة الأخت الفاضلة حليمة معالج رحمها الله بواسع رحمته. ويشرفني أن اهدي هذا العمل بفصوله الثلاثة عشرة إليها تكريما لها وعرفانا لنضالها النموذجي. فهي مثال السيدة التي تمحضت للدفاع عن كرامة الإنسان وحريته في الداخل.

وتعهدت ثورة الشباب بجنسيه وكانت سباقة في إدراك العلاقة بين الاستبداد والفساد في الداخل والاستضعاف والاستتباع للخارج ومن ثم فهي لم تتأخر في فهم التحيل الذي خضع له الشباب الذي لم يفهم الحلف الخفي بين الفاشية والشعبوية.

سارعت فانضمت إلى المرحلة الثانية من الثورة فشاركت في النضال ضد مسعاهما إلى إعادة تونس إلى ما كانت عليه قبل الثورة بل وأكثر من ذلك محاولة لبننة تونس لتكون مستعمرة فرنسية إيرانية مندرجة في تخطيط صهيوني غربي يسعى لتحقيق سايكس بيكو ثانية -تحت مسمى الصفقة الكبرى.

وقد أدركت بحسها اللطيف علالاقة ذلك بقضيتها الأساسية قضية فلسطين وأدركت أن احفاد الخونة من قيادات اعداء الثورة العرب هم من يمول هذا المسعى مساهمة منهم مثل أجدادهم وآبائهم في الأولى لتفتيت جغرافية الإسلام وتشتيت تاريخه واحياء النعرات الطائفية والعرقية وانهاء حضور الإسلام في التاريخ.

أبو يعرب المرزوقي 

تونس في 20.09.27

الإصلاح القرآني

في تدبير السياسة وتنظيم الدولة

محاولة في تطوير نظرية ابن خلدون

الفصل الأخير

خاتمة المحاولة

تتضمن هذه الخاتمة ما كنت اتوقعه الفصل الخامس -من المحاولة التي عنونتها بـ"عبدة العجل" النخب واشكالية المناعة العضوية والحصانة الروحية. لكن لما تقدمت في البحث تبين أن المحاولة بحاجة إلى قسم ثان حتى تختم بمضمون هذا هذا الفصل.

فأجلت تحريره إلى غاية العلاج في مسألة أوسع من البحث المتعلق بعبادة العجل وعلل صلاح النخب وفسادها. والمسألة التي تفترضه أحد عناصرها عنونتها بـ"الإصلاح القرآني في تدبير السياسة وتنظيم الدولة. وهي محاولة في تطوير نظرية ابن خلدون السياسية".

لذلك أجلته ليكون كما ينبغي أن يكون جزءا من خاتمة المحاولة الثانية لجمعه بينها وبين الأولى بوصفه الفصل الأخير وفيه يتم عرض المعادلة الوجودية اثبات علل بترها مما يتعالى على عناصرها المقومة أعني العالم المتعالي على عالم الشهادة والذي لا ييزيله البتر بل يحيثه في عالم الشهادة: والعلة الاعمق تعود إلى رؤية الإنسان لذاته-مركزية الذاتية أو بلغة ابن خلدون حب التأله عندما يخلط بين النفسي والمعرفي والقيمي خلطا يترت عليه القول بالمطابقتين.

فنظرية ابن خلدون السياسية تنطلق من تحليله الرؤية القرآنية لمفهوم الإنسان أو الانثروبولوجيا القرآنية التي تتجاوز المقابلة بين الفلسفي والديني وتمثل الواحد المشترك بينهما من حيث هو العلاقة بين سياستين لعالمين مختلفين بالكيف الوجودي ومتواصلين في كيان الإنسان تواصل عالم الشهادة وعالم الغيب أو المتعاليات على عالم الشهادة.

وهو ما تبين راجعا عند سلبه إلى البنية العميقة للشكلين الأقصيين في نظرية الدولة ببعديها تربية وحكما أي الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا أعني إلى دين العجل بنية عميقة تتحدان فيها يكون الأساس ليس الرب ولا الإنسان بل هما بعدا العجل معدنه وخواره اللذين يتعينان في رمز الوجه المادي من حياة الإنسان وفي رمز الوجه الروحي منها بعد بترهما مما يتعالى عليهما -الرب والإنسان-واعتبارهما مجرد غطاء عن المؤثر الفعلي في التربية والسياسة: وذلك هو مفهوم الاخلاد إلى الأرض.

فكلاهما يستعمل الرب والإنسان شعارين منفصلين أولا وغطائين لما يؤدي الوظيفة المرجعية الفعلية للتربية والحكم ثانيا. فتصور أحدهما دون الثاني علته ما يترتب على البنية العميقة التي تعتمد على ربا الأموال ورمزه تحويل العملة التي هي أداة التبادل إلى سلطان على المتبادلين وربا الأقوال ورمزه تحويل الكلمة التي هي أداة تواصل إلى سلطان على المتواصلين. وهو ما يعني الفصل بين عالم الشهادة موضوع علم الإنسان وعمله من حيث هو مستعمر في الأرض وعالم الغيب الذي يتعالى عليه وموضوع الإيمان والجهاد للإنسان المستخلف فيها.

وهذه العلاقة هي علاقة مقابلة تماما لما يراه علم الكلام إما من حيث هو مؤسس للثيوقراطيا أو من حيث هو مؤسس للانثروبوقراطيا أعني للفصل بينهما أو لعدم الاعتراف بما يبنهما من عدم التناسب الذي يبني عليه قيش الغائب على الشاهد ردا للغيب إلى الغائب:

1- ويكون في الحالة الأولى تأنيسا للرب لقيس الرب على الإنسان.

2- ويكون في الحالة الثانية تأليه الإنسان قيسا للإنسان على الرب.

والفلسفة لا تختلف عن علم الكلام إلا بوهم الانطلاق من الطبيعي نحو التاريخي بخلاف الكلام الذي ينطلق من التاريخي إلى الطبيعي وبغلبة تفريق التعالي فيه وتحييثه فيها. ويلتقيان في تصوف وحدة الوجود الذي يجعل ذلك جوهر التحايث بين الرب والإنسان.

لكن ما أحاول بيانه هو استحالة القيسين: فلا الرب يقاس على الإنسان ولا الإنسان يقاس على الرب ولا عالم الغيب يقاس على عالم الشهادة ولا عالم الشهادة يقاس على عالم الغيب. لكن الإنسان لا يمكن أن يتسغني عن المقايسة. ولما كان قيس عالم الغيب على عالم الشهادة هو الذي سيطر في الفلسفة والكلام القديمين وأدى إلى تحريف كل علوم الإنسانية واعمالها فإن الحل هو الخيار المقابل أعني أي محاولة الارتفاع بعالم الشهادة إلى ما يقدره الإنسان من مثل عالم الغيب مع التسليم بعدم المماثلة الكيفية.

وهذا التقدير للمتعاليات ينقسم من ثم إلى نوعين اكتشف ابن تيمية أحدهما وسماه المقدرات الذهنية النظرية وهي شرط النظر البرهاني والكلي لعلم عالم الشهادة الذي لا يعالج الوجود العيني رغم ضرورته لغة لقول ما ندركه منه هي لغة المثل المعرفية أو الرياضيات للكلام في الضرورة الشرطية. وقياسا عليه وضعت نظرية المقدرات الذهنية العملية وهي شرط العمل البرهاني والكلي لعمل عالم الشهادة الذي لا يعالج الوجود العيني رغم ضرورته لغة لقول ما ندركه منه وهي لغة المثل القيمية أو الاخلاقيات للكلام في الحرية الشرطية.

وقلب هذه العلاقة هو الذي يحرر علوم الملة من علة انحطاطها أي من رؤية علم الكلام والفلسفة القائلة بالمطابقتين .ومعنى ذلك فإنه لا يمكن اعتبار طلب المثال من عالم الغيب دالا على قيس عالم الشهادة عليه بمعنى المماثلة بينهما لأن المثال لا يتحقق في عالم الشهادة بل إن ما يتحقق هو التغير في سلوك الإنسان الذي يتحرر من الأمر الواقع بما يعتقد أنه الأمر الواجب وذلك هو أساس قيم العمل الإنساني وأساس قيم حقائق العلم الإنساني دون الزعم بحصر الموجود في إدراكنا وحصر المنشود في إرداتنا.

فظن علماء الملة الغيب غائبا واعتبروه قابلا للقيس على الشاهد مع وهم المماثلة فقلبوا دلالة آل عمران 7 الناهية عن تأويل المتشابه لجعلها وكأنها آمرة به وقلبوا دلالة فصلت 53 الآمرة بالبحث في آيات الآفاق والأنفس فجعلوها و كأنها ناهية عنه. وبارجاع الآيتين إلى دلالتهما الأصلية نتخلص من تحريف علوم الملة الغائية الخمسة فيصبح عالم الغيب عالم المثل التي يحاكيها الإنسان انطلاقا مما يتصوره عليه وكلها قائلة بالمطابقتين المعرفية والقيمية:

1-التفسير أصلا لكل علوم الملة.

2-علم الكلام أو التأسيس النظري لبقية علوم الملة دون تمييز بين النظري والعملي.

3-الفلسفة لتأويل "النقلي" برده إلى "العقلي" دون تمييز بين النظري والعملي.

4-الفقه لتأسيس العملي السياسي والقانوني والخلقي في الممارسة العامة.

5-التصوف لتأسيس العملي السياسي والخلقي في الممارسة الخاصة.

فكان المآل جعل تصور الإنسان لله خلقا لله وتصوره مصدرا للمثل خلقا للمثل كما حصل في فلسفة هيجل وتعين في رؤيته القائلة بمفهوم المصالحة أي حلول الإلهي في الإنساني وفي الطبيعي. وما ذلك إلى صوغ زعمه صاحبه فلسفيا لجوهر التحريف المسيحي-المسيح ابن الله- (آل عمران 79). لكن الإصلاح القرآني للتحريف اعتبر ذلك استخلافا بمعنى وعي بما يتعالى عليه مرسوما في ما فطر عليه ويترتب عليه صورة الله والمثل في كيانه دون أن تكون مطابقة لما عليه الله والمثل بل هي نصيب الإنسان منهما بوصفه خليفة.

وهو نصيب بتضمن نفي المطابقتين وهو معنى ليس كمثله شيء. ومعنى ذلك أن الإنسان مهما طغى وتجبر لا يغادره الوعي باستحالة المطابقة أو التماثل بينه وبين الله أو توهم العالم المحيط به قابلا للرد إلى كيانه العضوي وما وراء العالم قابلا للرد إلى كيانه الروحي. وفلا يوجد إنسان مهما قل عقله وفهمه يعتقد فعلا ما لم يكن مجنونا أن علمه محيط وعمله تام ولا يدرك حدود علمه وحدود عمله. وهو معنى "ليس كمثله شيء" في الذات وفي الصفات العبارة التي تصحب ما يبدو تشبيها في لغة القرآن. ومهما تفلسفنا فلن نجد جوابا شافيا عن سؤالي العقل الإنساني:

1-فلا شيء يعلل عقلا الوجود بدل العدم وهو الأساس الأول للإيمان الذي لا بد منه في الدين وفي الفلسفة.

2-ولا شيء يعلل عقلا كون الوجود على ما هو عليه وهو الأساس الثاني للإيمان الذي لا بد منه فيهما كذلك.

فالعدم مليء بالممكن غير الحاصل ما يجعل الوجود أحد الممكنات وليس واجبا فيحتاج إلى تعليل وكيفيات الوجود الممكنة لا متناهية ما يجعل الحاصل منها بحاجة إلى تعليل. وكل ذلك علته القدرة التوجيهية التي للإنسان على التمييز في الموجود بين الموجود الفعلي والموجود الممكن وعلى التمييز في الموجود الفعلي بين الواجب والممتنع وفي الموجود بالقوة بين الممكن الحاصل والممكن غير الحاصل. وهذه القدرة هي أصل كل ما يحدد منزلة الإنسان ودوره لأنها هي قدرة التعالي على الموجود والتمييز بينه وبين المنشود.

وهو ما يعني أن الإنسان ليس غارقا في مجرى الطبيعة والتاريخ وكأنه قشة تتقاذفها الرياح بل هو متحرر منهما إلى حد واجتهاده للتحرر معرفيا وجهاده للتحرر قيميا هو عين كيانه الذي فيه وجه طبيعي هو كيانه العضوي وفيه وجه تاريخي هو كيانه الروحي. والثاني يمثل هذا التعالي الدائم على الأول رغم أن الأول هو الذي يصله بكل الموجود الفعلي والثاني بكل المنشود الممكن.

وقد يستنتج الكثير من عدم حيازة الإنسان للعلم المحيط وللعمل التام أن النسبية عند مقارنة الإنسان بالرب تعني اطلاقها بحيث تصبح المعرفة مقصورة على تعادل الآراء والقيمة على تعادل الأحكام بين البشر. فتصبح علوم البشر متساوية وكذلك أحكامهم. وهذا نقل متسرع للعلاقة بين الإنسان وربه وبين عليمهما وعمليهما إلى العلاقة بين الإنسان والإنسان في العلم وفي العمل. وهذا خطأ قياسي علته أمران:

1-فالمقارنة الأولى بين المطلق والنسبي هي مقارنة بن الإله الذي هو واحد وبين البشر مهما تنوعوا ومهما تفاضلوا يبقون دون المنزلة التي تنسب إلى الرب ولا أحد منهم يمكن أن يدعي الربوبية بصدق إذ حتى لما يدعيها كما يحصل في ذهن بعض الطغاة فهو يمر بلحظات يدرك فيها ضعفه فيراجع نفسه. يكفي أي مرض مهما كان طفيفا حتى يشعر بضعفه.

2-والمقارنة الثانية ليست بين المطلق والنسبي بل بين مستويات النسبي في علم البشر وفي عملهم. وهذه المقارنة يمكن أن تتعلق بالقوة العضوية أو بالقوة الذهنية. فلا يوجد عاقل يمكن أن يدعي أن البشر متساوون في القوة العضوية وهم في القوة الذهنية كما قال ابن تيمية أكثر عدم مساواة. لكن توهم المساواة في القوة الذهنية يؤدي إلى خطأين في التفكير الإنساني.

فمن حيث كونها هي التي تصل بين الأمور في التفكير وسلاسل الأدلة والترابط بين العلوم تجعل البعض يطلق النسبية فيتصور الآراء متساوية والاحكام لا تتمايز لكأنه يمكن لعاقل أن يدعي أن حكم الطبيب في المرض مثل حكم العامي وحكم المهندس في العمارة مثل حكم العامي. الإطلاق واحد والنسبية متعددة ومتراتبة.

ولذلك فالمساواة بين البشر ليست متعلقة بقوتيهم العضوية والذهنية بل بمنزلتهما الوجودية عند الله حيث يكونوا جميعا متساوين في نظره إليهما لأنهم مخلوقاته التي لا يميز بينها إلا بالتقوى. ولما كانت هذه المنزلة واحدة عند الله فإن أي نظام سياسي سليم ينبغي أن يحاكي هذه العلاقة في الوجود الإنساني في عالم الشهادة.

فتصبح المنزلة الوجودية مثالا أعلى للمنزلة السياسية التي تحققها الجماعة للفرد فيها لأنه بالقياس إليها يبقى دائما ضعيفا وجميع الافراد ينبغي ان يكونوا سواسية في نظر الجماعة التي لها وحده سياسة الامر بالتواصي بالحق اجتهادا طلبا للحق وبالتواصي بالصبر جهادا لتحقيق الحق.

وقد صاغ ابن خلدون مفهوم الإنسان باستنتاج يجمع بين الفلسفي والديني أي باستنتاج يستوحي القرآن الذي يعرض الواحد في الديني والفلسفي وذلك على النحو التالي: "(الإنسان) رئيس بطبعه (تصور فلسفي) بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له (تصور ديني)" (المقدمة الباب الثاني الفصل 24 في أن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء).

ومجموعهما هو المفهوم القرآني للإنسان أوالانثروبولوجيا القرآنية التي لا تفصل بين كيان الإنسان العضوي وكيانه الروحي وتعتبر رئاسته متحققة في مقومي وجوده العضوي ومنشوده الروحيلأن الأول يشده إلى الطبيعة والتاريخ والثاني يشده إلى ما يتعالى عليهما أو إلى ما بعدهما.

ومن هذه العلاقة أمكن استنتاج ما سميته المعادلة الوجودية التي تحكم حياة الإنسان سواء كان مؤ منا أو ملحدا لأنها هي عين كيانه العضوي الذي يتضمن وعيه بذاته وبمحيطه بما يتعالى عليهما بوصفه ما وراء طبيعي يخضع لمنطق الضرورة الشرطية وما وراء تاريخي يخضع لمنطق الحرية الشرطية وهما مفهومان خصصت لهما محاولة سابقة.

ولما قابلت بين الإرادة العاقلة والمعرفة العاقلة واعتبرت الأولى من اكتشاف المدرسة النقدية والثانية مما ورثه فلاسفة المسلمين ومتكلميه من الحضارات السابقة على نشأة حضارة الإسلام لم أشرح القصد بعقل الإرادة وبعقل المعرفة وهذين المعنيين وما يترتب عليهما من رؤيتين للمعادلة الوجودية.

فالمعادلة الوجودية لا تقتصر على استنتاجها من عالم الشهادة وكأنه العالم الوحيد بل من عالم الشهادة في صلة بعالم متعال عليه يعتبر علة وجوده وعلة كونه على ما هو عليه دون ان يكون من جنسه رغم أنه مصدر مثله العليا التي لا تتحقق فيه لكنها تحدد منشوده وتعلل سعيه الدائم لتجاوز ذاته واستكمالها معرفيا وقيميا:

1-فأما عقل الإرادة فهو ما يجعلها تدرك حدها لأن كل إرادة في علاقة قوة مع غيرها من الإرادات ولا تصبح عاقلة إلا إذا انتهى أصحاب الإرادات إلى اعتبارها نسبية والتسليم بوجود إرادة تعلو عليها جميعا فينتقل أصحابها من صراع الإرادات إلى نظام يمكنها من العمل معا.

وذلك هو معنى سياسة عالم الشهادة في علاقة بعالم ورائه يعلو عليه علوا محايدا يجعلهم متساوين أمامه بمقتضى شريعة تصبح مقدسة عندهم جميعا ومرجعية لسياسة العلاقة بعالم الشهادة الطبيعي والتاريخي المحيطين بالإنسان وبعالم الكيان العضوي والكيان الروحي في الفرد الإنساني وفي الجماعة التي تشبه بالقياس إلى الجماعات الأخرى الفرد بالقياس إلى الأفراد الآخرين.

2-ومن هنا يأتي مفهوم المعرفة العاقلة. فالإرادة العاقلة هي اصل التعقل المعرفي بداية وغاية وهو لا يغادرها أبدا. وإذا غادرها صار معرفة غير عاقلة. أو لنقل إنه تجربة الإنسان لحدود عقله. ذلك أن المعرفة التي ترتبت على إدراك حدود الإرادة ليست جزء منها فحسب بل هي لبها باعتبارها جزءا من القوة التي تستعملها الإرادة في تصديها لغيرها من الإرادات إذا كانت عاقلة.

وبهذا المعنى فأولى المعارف يمكن اعتبرها بداية علوم الإنسان بمعنى معرفة ما يستطيعه الإنسان باستعمال المعرفة في صراع القوى الذي صار خاضعا للوعي بالقدرة العاقلة. فحينها يكتشف أن المعرفة التي تفيد في صراع القوى هي معرفة قوانين القوى الطبيعية والتاريخية أي علاج علاقة الإنسان بالطبيعة على علم وعلاج علاقته بالتاريخ على علم. وأول علم في هذه الحالة هو إدراك حدود العلم ونسبيته. وتلك هي بداية المعرفة العاقلة وغايتها.

وبدايتها في الحقيقة صعبة جدا وهي لم تتحقق إلا لما أدرك الإنسان ضرورة التخلص من وهم بارميندس القائل بالمطابقة بين الوجود والعقل وأن ما ليس بعقلي ليس بوجودي بل هو من أوهام الإنسان. ومعنى ذلك أن بداية الفلسفة هي توهم المعرفة مطلقة وأنها بعكس الإرادة ليست إضافية إلى ما يحد من الإرادات بإرادة مثالية تعلو عليهم جميعا إيمانيا بتجربة وليس معرفة لحقيقة.

وقد حاول السوفسطائيون رفض الموقف البارمينيدي وقيس المعرفة على الإرادة بقيس العلم على القدرة فحدوا من القدرة واعتبروا الإنسان في المعرفة مقياس كل شيء دون أن ينفوا أن ما يتجاوز قدرته المعرفية عدم بل هو عدم معرفة لا نستطيع إطلاقه بالزعم إنه عدم وجود.

لكن الفلسفة الأفلاطونية نسبيا والفلسفة الأرسطية بإطلاق شوهت هذا الموقف لأنها طبقت عليه مبدأ المطابقة البارميندي فأطلق من حيث لا يعلم مقولة الإنسان مقياس كل شيء وينفي ما يتجاوز ما يعلمه لخلطه بين نفي النسبية الى الأفراد وبين اعتبار ذلك دليل على أن المشترك بين البشر مطلق .

وفي ذلك خلط بين المشترك بين الذوات Intersubjectif والموضوعيObjectif . لكأن من يقول إن ما يدركه النوع الإنساني وهو مصادرة على المطلوب لأن ما نعلمه مما يدركه البشر هو بنحو ما اجماع صامت لجيل من الأجيال حول ما يعلمونه وما يجهلونه هو حقيقتها لكأن الأشياء مقصورة على ما يقاس بعلمهم وبجهلهم قيسا نهائيا ومطلقا. فما يجمع عليه البشر على فرض وجوده يبقى دائما مقصورا عليهم ولا شيء يثبت أنه عين حقيقة الأشياء في ذاتها لولا الدغمائية ووهم الكونية المطلقة وليس النسبية على أقصى تقدير للبشرية.

ولهذا العلة فالمعرفة العاقلة حقا لم تبدأ إلا مع الأديان. ولم تصبح فلسفية إلا في المدرسة النقدية التي قد تكون موجودة قبل المدرسة النقدية الإسلامية. ولعل السوفسطائية التي لم تقل إن الإنسان مقياس كل شيء موجوده ومعدومه دون أن تقيد ذلك بأن الأمر يتعلق بما يمكنه علمه وليس بما لا يمكنه علمه.

وهم لم ينفوا أنه قد يوجود وراء ما يعلمه الإنسان لكنه ليس معلوما للإنسان. لكن هذا الموقف لم يصبح صريحا في جعل المعرفة عاقلة بمعنى جعلها مدركة لحدودها بالنقد الإبستمولوجي مثل القيمة بالنقد الأكسيولوجي إلا ببداية نقد الميتافيزيقا (الغزالي) ثم نقد الأسس الميتافيزيقية لتطبيق المنطق على الوجود الطبيعي معرفيا (ابن تيمية) ثم نقدها لتطبيقهما على الوجود التاريخي قيميا ومعرفيا (ابن خلدون).

ويمكن القول إن أهم مباديء ديكارت ومنطلقاته هو تأسيس هذا التسليم على الإيمان بوجود رب غير مخادع وإلا فإنه لا شيء يمكن الاطمئنان إليه في المعرفة الإنسانية. وهو أول من اعتبر المشكل المعرفي متعلقا بكيفة الانتقال من الإرادة إلى العلم واعتبار العقل قدرة الحد من الإرادة اللاعاقلة.

وبهذا المعنى يمكن القول إن فلسفة ديكارت كانت في الفكر الغربي بداية القطيعة مع القول بالمطابقتين المعرفية والقيمية وهي قطيعة متأخرة عن مثيلتها في الحضارة الإسلامية لأن هذه بدأت بمجرد استثناء الغيب المعرفي والقيمي من العلم والعمل الإنسانيين ومن ثم نفس المطابقتين. وقد ذهب ديكارت إلى أن المعرفة الإنسانية والتقييم الإنساني أساسهما إيماني وخلقي. ولذلك اعتبرت تأملاته رغم اسمها ليست ميتافيزيقية بل ميتااثيقية.

وهكذا تبين أن إشكالية هذا الفصل الأخير من المحاولة التي خصصتها لعبدة العجل بوصفها مدخلا إلى النظرية السياسية في الإسلام كما عرضها ابن خلدون في محاولة مكملة لها بفصولها الثمانية فصول ما جعل الفصل الخامس من المحاولة الأولى جديرا بأن يكون خاتمة لهذه النظرية السياسية التي تتأسس على رؤية تلخصها فلسفية نظرية لمعادلة الوجودية التي تبحث في علاقة عالم الشهادة بعالم ا لغيب أي بما ورائه وتؤسس الفهم القرآني لمعنى المرجعية الثيولوجية بنوعيها الصادقة والمنافقة ولمعنى المرجعية الانثروبولوجية بنوعيها الصادق والمنافق وعلامة التحريف الأساسية هي عدم التمييز العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب والاكتفاء بأحدهما ورد الثاني إليه.

1-والمرجعية الثيولوجية والمرجعية الانثروبولوجية الصادقتان في القول بتاسيس السياسة على الرب أو على الإنسان أصلا قيميا يمكن أن تعتبرا مدخلين لسياسة تجمع بينهما من خلال علاقة الربوبي بالإنساني إما من منطلق الربوبي إلى الإنساني أو العكس وهما وجها الإرادة العاقلة.

2-والمرجعية الثيولوجية والمرجعية الانثروبولوجية المنافقتان في القول بتأسيس السياسة على الرب أو على الإنسان أصلا قيميا يمكن ان تعتبرا مدخلا لسياسة تعتبرهما مجرد غطاء لدين العجل ولا تكون المرجعيتان المنافقتان إلا توظيف الصادقتين شعارين لا غير.

لكن الإرادة كما تعترف بحدودها فتصدق يمكن ألا تعترف ببها وبما يتعالى عليها إلا للخداع. وتستعمل المرجعيتين المنافقتين بنفس الخليتين:

إما من الخداع باسم الرب إلى الخداع باسم الإنسان.

أو من الخداع باسم الإنسان إلى الخداع باسم الرب.

فتكون الإرادة الصادقة ثيوقراطية وانثروبوقراطية حقيقة وهما الحدان الأقصيان للقول بما يتعالى على عالم الشهادة بالنسبة إلى الأولى حقا وبنفيه بالنسبة إلى الثانية حقا. لكنهما يمكن أن يكونا منافقين فتصبح الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا مخادعتين باسم الرب أو باسم الإنسان شعاريا لا فعليا.

والصادقتان تنتهيان إلى تفاعل ينتج حدين أوسطين بتقديم أحدهما وتاخير الثاني ثم العكس. وذلك خلال محاولة اكتشاف الوسط الذي يعتبر الفصل بينهما مستحيلا لأن الأصل هو المشترك بينهما إما دين العجل في حالة الخداع أو ما يحرر منه في حالة الصدق بالتحرر من ربا الأموال وربا الأقوال وهو جوهر السياسة في الرؤية القرآنية التي تجمع بين الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها.

وتلك هي الأنظمة الخمسة الممكنة في سياسة عالم الشهادة تربية وحكما. وقد حاول ابن خلدون الوصول إلى ما يقرب من ذلك لولا أنه تصور تدخل الربوبي يؤدي إلى نوع واحد ولم يضاعفه كما ضاعف النوع الذي يسميه عقليا إذ هو اعتبر النقلة من النظام الطبيعي الذي هو فوضى صراع العصبيات إلى الدولة يؤدي إلى نظامين عقليين لا يكتملان من دون ادخال البعد الديني واعتبره نظاما واحدا ولم يضاعفه كما ضاعف العقلي.

لينتهي إلى أن النظام الفعلي هو الجامع بينها أربعتها دون انهاء الطبيعي الذي يبقى الأرضية الأعمق في كل نظام أي الحالة الطبيعية التي تهدد كل نظام والتي يمكن أن تعود كلما اختل النظام الحاصل من المربع المشار إليه:

"اعلم أنه قد تقدم لنا في غير موضع أن الاجتماع للبشر ضروري وهو معنى العمران الذي نتكلم فيه وأنه لا بد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه وحكمه فيهم:

1-تارة يكون مستندا إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلغه

2-وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم.

فالاولى يحصل نفعها في الدنيا والآخرة لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة ولمراعاته نجاة العباد في الآخرة. والثانية نفعها في الدنيا فقط.

وما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب. وإنما معناه عند الحكماء ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأسا. ويسمون المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمى من ذلك بـ"المدينة الفاضلة" والقوانين المراعاة في ذلك بـ"السياسة المدنية". وليس مرادهم السياسة التي يحمل عليها أهل ا لاجتماع بالمصالح العامة فإن هذه غير تلك. وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقو وإنما يتكلمون عليها على جهة الفرض والتقدير.

ثم إن السياسة العقلية التي قدمناها تكون على وجهين:

1--احدهما يراعي فيها المصالح على العموم ومصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص وهذه كانت سياسة الفرس وهي على جهة الحكمة. وقد أغنانا الله تعالى عنها في الملة ولعهد الخلافة لأن الأحكام الشرعية مغنية عنها في المصالح العامة والخاصة والآداب واحكام الملك مندرجة فيها.

2-الوجه الثاني أن يراعي فيها مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القوه والاستطالة وتكون المصالح العامة في هذه تبعا. وهذه السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع التي لسائر الملوك في العالم من مسلم وكافر. إلا أن ملوك المسلمين يجرون منها على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية بحسب جهدهم.

فقوانينها إذا مجتمعة من أحكام شرعية وآداب خلقية وقوانين في الاجتماع طبيعية وأشياء من مراعاة الشوكة والعصبية ضرورية والاقتداء بالشرع أولا ثم الحكماء في آدابهم والملوك في سيرهم." (المقدمة الباب الثالث الفصل: 51 بعنوان: في أن العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها أمره).

ولا بد من مجموعة من الملاحظات لبيان أعماق هذه الرؤية: الخلدونية رغم ما يبدو من الفصل بين العقلي والديني في الأنظمة. لكن الفصل ينفيه في المعنى الخامس والأخير لأنه لا يعني أن الديني ليس عقليا ولا العقلي ليس دينيا. وهو لا يجهل أن لحكماء الفرس الذي ضرب مثاله منهم لهم دين وهو لا يعتبره دينا بالمعنى المنزل طبعا لانه دين طبيعي:

1-أولا: ما يميز به ابن خلدون السياسة في الاجتماع عن نظرية المدن الفاضلة.

2-ثانيا: ما يؤسس عليه ابن خلدون الطاعة في الحالتين العقلية والدينية أي طبيعة العقد القانوني فيهما والمكافأة المنتظرة من المطيع للحكم.

3-ثالثا: مضاعفة السياسة العقلية لم تناظرها نفس المضاعفة للسياسة الشرعية. ذلك أن الوجه الثاني موجود في الثانية وجوده في الأولى.

4-رابعا: السياسة الفعلية تجمع بين النوعين ولا يشذ المسلمون عن ذلك رغم تغليب أحد النوعين دون نفي الثاني.

5-ولذلك فكل هذه السياسات تنتج دائما عن السعي لتجاوز الحالة الطبيعية التي تسبق وجود الدولة والوازع الخارجي لعدم كفاية الوازع الذاتي في تنظيم حياة البشر في علاج مصالحهم الدنيوية والأخروية. وهذا السعي التجاوزي هو المشترك بين الديني والفلسفي والمؤسس للسياسة والأخلاق والقانون…

ولنعد الآن إلى مسألة المعادلة الوجودية التي تترتب عليها هذه السياسات التي تكتفي بسياسة عالم الشهادة أو التي تتجاوزها إلى ماورائها. فسواء كانت ذات ما وراء صدقا أو نفاقا أو كانت عديمة الماوراء صدقا أو نفاقا لا يمكن أن تتحقق من دون نظرية في المعرفة وفي القيمة تقول بالمطابقة أو تنفيها. فتكون أربعتها مضاعفة لأن كلا منها وجد في حالة القول بالمطابقة وفي حالة نفيها:

1-فالقائلة بالمطابقة تقيس الغيب على عالم الشهادة فيكون ما وراء عالم الشهادة مقيسا على عالم الشهادة وهذا نفي لتميز الماوراء على المادون وهو معنى الميثولوجيا وهو ماوراء بدائي بخلاف الماوراء الذي يعتبر الغيب غير معلوم وهو من باب ما نفكر فيه دون أن نعلمه إذ هو من الممكن عقلا والمجهول عيانا.

2-ونافية المطابقة تعكس فتقيس عالم الشهادة على عالم الغيب فيكون ما وراء عالم الشهادة مثالا أعلى يسعى إليه بجعل ما فيه يترقى في ما يتصف به وكأنه يطلب الكمال في ما يفترضه من صفات تليق به باعتباره مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها أي مطيعا لما أمره به المثال الأعلى المناسب للإنسان دون أن يقيس المثال على الممثول.

وإذن فكل الإشكالية تعود في الغاية إلى حصر الوجود في عالم الشهادة رغم أن النظر المعرفي الإنساني لا يحيط به والعمل القيمي الإنساني ليس تاما. وبذلك فالإنسان يصبح سجين عالم يضيق على ما يتجاوز به واقع أمره لواجبه لأن عدم الإحاطة وإن لم يكن علما بما يتجاوز ما يدركه الإنسان بالفعل

فإنه لا ينفي ما يقبل الإدراك بالقوة أوسع منه وأن ما لا يقبل الإدراك ممكن الوجود فيكون عالما غيبيا وراء عالم الشهادة. لذلك فالإنسان بمجرد أن يتخلص من القول بالمطابقتين ورد الوجود إلى إدراكه والمنشود إلى إرادته يجد نفسه بين عالمين لا شيء يثبت أن ما وراء عالم الشهادة هو من نفس الطبيعة.

امتناع المطابقة المعرفية

امتناع المطابقة القيمية

من هنا ضرورة التحرر من وحدانية الوجود ورده إلى عالم الشهادة وضرورة الاعتراف بعالم الغيب تصديقا إيمانيا وليس تصديقا معرفيا وحضوره في عالم الشهادة هو ما يجعل علمنا بهذا العالم غير مطابق له لما فيه من غيب يمكن اعتبار علمنا وعملنا بالقياس إليه كلا شيء. وما أن نطلق علمنا وعملنا بحب التأله حتى نصبح في الغاية من عبيد العجل معدنه وخواره.

المعادلة الوجودية ذات الماوراء

في القمة: الله

1-الطبيعة 2- التاريخ

الإنسان

3-كيان الإنسان العضوي 4-كيان الإنسان الروحي

وبين أنه يوجد بين الطبيعة ممثلة بالجغرافيا والكيان العضوي دور الجماعة في انتاج شروط قيام الكيان العضوي للفرد وبين الحضارة ممثلة بالتاريخ والكيان الروحي دور الجماعة في انتاج شروط قيام الكيان الروحي للفرد. والجماعة هنا لها دلالتان: الجماعة الجزئية من الإنسانية ثم الإنسانية كلها بوصفها جماعة واحدة بالمعنى القرآني للآية الأولى من ا لنساء.

وبهذا المعنى فالدولة الكونية مقدمة على الدولة الجزئية لأن كل جماعة جزئية بدولتها الجزئية ترث ما ترتب على دور الجماعات السابقة في العلاقة بالطبيعة ممثلة بالجغرافيا في علاج أشكاليات القيام العضوي وفي العلاقة بالحضارة ممثلة بالتاريخ في علاج إشكاليات القيام الروحي.

وهو ما يعني أن النظرية القرآنية التي يتبناها ابن خلدون هي النظرية القائلة بالعولمة الدائمة ولذلك فقد سمى علمه "علم العمران البشري والاجتماع الإنساني" ولم يخصصه للكلام على الحضارة الإسلامية بل على الحضارة الإنسانية وإن كانت امثلته جلها منها دون أن تكون مقصورة عليها.

اما المعادلة الوجودية التي تناقضها في الظاهر لأنها تبدو مبتورة وفاقدة لما وراء بعديها الطبيعي والتاريخي المحيطين بالإنسان خارجيا ولما وراء كيان الإنسان العضوي والروحي. لكن الماورائين المضاعفين موجودان فعلا حتى عند الملحد لأنه لا يلغيهما بالحاده بل يلغي المفارقة إذ هو يحيثها أربعتها فيها بتحييث ما ينسب إلى ما تحيل اليه الماوراءات الأربعة أي الرب أو القوة التي ينسب إليها الخلق والامر في الطبيعة وفي التاريخ وفي الكيان العضوي والكيان الروحي.

وكل من يتوهم إمكانية تصور الإنسان بمعزل عن هذه العناصر الخمسة بوصفها قلب المعادلة سواء تعلق الامر به في حياته "العينية" أو في حياته "الذهنية" يكذب على نفسه وعلى غيره. وأكثر من ذلك فإن علاقة الطبيعة بالتاريخ وعلاقة التاريخ بالطبيعة تنتجان الثورة والتراث وهما أيضا مما يحيط بالإنسان ومما يحيط بهما الإنسان لانهما عين فاعليته في الوجود وبهما يكتمل وجوده بوصفه منتسبا إلى جماعة تتبادل وتتواصل.

وهذه الجماعة ليست شعبه أو امته فسحب بل كل البشرية لأن الثروة والتراث في عينهما ينتسبان إلى جماعة معينة لكنهما من حيث علل وجودهما العلمية والعملية ينتجان عن تراكم التجارب الكونية التي توالت خلال تاريخ الإنسانية كلها. وهكذا إذن فالمحاولة تتالف من قسمين كلاهما يعالج المشكل بالمقابلة بين ما كان عليه حال الفلسفة في العصور الوسطى وما عاد إليه بسبب النقد الهيجلي لكنط شرطا في فهم الثورة التي انسبها إلى المدرسة النقدية العربية :

أولهما يعرض الإشكالية كما تعينت في فكر المسلمين القدامى والمحدثين. وغاية ما وصلت إليها صياغتها في المدارس القديمة المختصة في علوم الملة الخمسة أي التفسير أصلا للأربعة الباقية التي هي في النظر الفلسفة والكلام وفي العمل الفقه والتصوف وكلها كانت متأثرة بالقول بالمطابقتين كما وردتا في فلسفة العصر الموروثة عن أرسطو كليا وعن أفلاطون جزئيا. كما أن غاية ما وصلت إليه صياغتها في المدارس الحديثة المختصة ما تزعمه من علوم العصر الحالي أي الفلسفة ومجالات تطبيقة في النظر والكلام وفي العمل أي القانون والأخلاق وكلها متأثرة صارت متأثرة بالقول بالمطابقتين كما تردان في فلسفة العصر الموروثة عن ماركس خاصة وعن هيجل جزئيا.

واستثنيت من المدارس القديمة المدرسة النقدية العربية التي خصصت لها ضميمة أضفتها لترجمة ا لمثالية الألمانية وبينت فيها أنها تتميز برفض المطابقتين في النظر والعقد وفي العمل والشرع. وهدف المحاولة هي بيان أن هذه المدرسة شرعت في تخليص رؤية الإسلام من المطابقتين ومن ثم من رؤية خاصة ارسطو وأفلاطون بنحو ما لأن المطابقة شارطة حتى للمثل.

وأهم ما يؤسس لهذا الفهم هو أن ابن تيمية لما دحض النظرية التي تعتبر المعاني الكلية مقومة لما تنطبق عليه واقتصر دورها على كونها مقومة لتعبيرنا عنها فيكون دورها جنيس دور اللسان والكتابة. وهذه هي القطيعة الفلسفية العميقة لأنها هي التي تؤسس خيار عدم القول بالمطابقة فلسفيا فضلا عن تأسيسها الديني بمفهوم الغيب.

والثاني انطلاقا من هذه الرؤية واعتمادا على محاولة ابن تيمية التخلص من رؤية النظر والعقد الفلسفية القائلة بالمطابقتين ومحاولة ابن خلدون التخلص من رؤية االعمل والشرع الفلسفية القائلة بالمطابقتين أصبح بوسعي استكمال النظرية الموجبة التي تبني رؤية فلسفية تطابق الرؤية القرآنية أو تصوغها صوغا فلسفيا نسقيا.

وتلك هي الغاية من هذه المحاولة التي كل مرحلة من مراحل التنظير فيها كتبت فيها ما يعللها في غير موضع واكتفيت هنا بإيراد بعض ثمراتها. وتلك هي المراحل التي سميتها مراحل التنظير وحصيلته. وبذلك يمكن القول إن تجاوز أزمة تدبير السياسة وتنظيم الحكم في الإسلام والشروع في بيان ما ينبغي للحركات الإسلامية البناء عليه للخروج من الوقوع مرة ثانية في ما وقعت فيه علوم الملة السابقة.

لا بد من التحرر من قراءة النصوص مباشرة والاعتماد على التأويل المنهي عنه في آل عمران 7 والعمل بمقتضى فصلت 53 للبحث العلمي في آيات الآفاق والأنفس بوصفه بحثا في:

1-قوانين الطبيعة شرطا في تحقيق مهمة الاستعمار في الأرض

2-سنن التاريخ شرطا في تحقيق مهمة الاستخلاف فيها.

وذلك بما بين الإنسان بنفس البعدين إذ هو في آن كائن طبيعي وكائن تاريخي والبعد الأول من كينونته في علاقة مباشرة بالطبيعة وما بعدها ولكن دائما من حيث هو فرد في جماعة والبعد الثاني من كينونته في علاقة مباشرة بالتاريخ وما بعده ولكن دائما من حيث هو فرد في جماعة هي شرط:

الكينونة الأولى هي العمران

الكينونة الثانية هي الاجتماع.

وهما موضوع تدبير السياسة وتنظيم الحكم. ولهذه العلة فابن خلدون:

1-يصل في مفهوم العمران بين أمرين هما جوهر التبادل العضوي وتبادل شرطه: العامل الديموغرافي والعامل الا قتصادي. ويجمع بينهما مفهوم الثروة التي هي في آن علاقة بمصدر الحياة الطبيعي وشرط الكرامة ليس بين الإنسان والإنسان فحسب بل بين الإنسان وربه لأن من يفقدهما يفقد كرامته ويصبح عبدا لعبد وليس عابدا لربه.

2-ويصل في مفهوم الاجتماع بين أمرين هما جوهر التواصل الروحي والتواصل في شرطه: العامل الخلقي والعامل الثقافي. ويجمع بينهما مفهوم التراث الذي هو في آن علاقة بمصدر الحياة التاريخي وشرط الحرية ليس بين الإنسان والإنسان فحسب بل بين الإنسان وربه لأن من يفقدهما يفقد حريته ويصبح عبدا لعبد وليس عابدا لربه.

ولما كانت الثروة والتراث منتجين لا يقوم بهما الفرد من دون الجماعة لأن الأولى هي ثمرة التعاون والثانية هي ثمرة التواصل أصبح الإنسان يستمد كرامته وحريته من سلطانه على علاقته بالطبيعة وعلى علاقته بالتاريخ فتكون ثورته الأولى على هيمنة الطبيعة عليه بالعمل المنتج للقيم الاقتصادية وثورته الثانية على هيمنة الحكم عليه بالعمل المنتج للقيم الثقافية. وسلم القيم الذي يجعل الإنسان كما يعرفه ابن خلدون "رئيس بطبعيه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له".

وذلك هو عين التعريف القرآني للتكريم والتكليف المؤسسين على تجهيز فطري يجعله قادرا على النظر والعقد في علاقة القوانين الطبيعية وعلى العمل والشرع في علاقة بالسنن التاريخية. وهذا بالضبط مضمون رسالة التذكير. فالقرآن يشير إلى هذه المهام ولا يعطينا ما يغني عن القيام بها بأنفسنا. وعدم فهم ذلك هو علة تحريف علوم الملة لمعاني القرآن

وهو ما يعني أن كل المشكل هو أن علماء الملة كانوا من البداية يعتقدون في خرافة الاعجاز العلمي في القرآن متصورين العلوم قابلة لأن تنتج عن شرح النصوص بدلا من عمل ما توجه اليه من مضان العلوم التي لا تدرك بغير البحث العلمي الذي لا شيء يعوضه في محاولة اكتشاف قوانين الطبيعة وفي سنن التاريخ وهما ما وراء الطبيعة وما ورراء التاريخ الذي يصلنا برب العالمين (كل البشر) والعالمين (عالم الشهادة وعالم الغيب) فعلمنا غير مطابق للموجود وعملنا غير مطابق للمنشود.

وإذن فهما أهم دليل على أن من يزعم علمه محيطا وعمله تاما يكذب على نفسه وعلى غيره. وما كان سائدا في الفلسفة القديمة وما نكصت إليه الهيجلية والماركسية من علامات السذاجة الفلسفية التي تلقاها علماء الدين سواء نسبوا المطابقتين إلى العقل أو نسبوهما إلى الكشف أو حتى إلى الوحي: فالخاتم ينفي العلم المحيط ولا يدعي علم الغيب. ومن ثم فلك علم اجتهاد وكل عمل جهاد وهما دائمان على هذه الصفة ما دام الإنسان موجودا موجوده يبقى دائما دون منشوده. فهما عين وجود الإنسان المتكامل دائما وعين الامتحان الذي تتحدد فيه أهلية الإنسان للتكليف والاستخلاف.